أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ} (23)

{ ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد ، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي " يبشر " من بشره وقرئ " يبشر " من أبشره . { قل لا أسألكم عليه } على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة . { أجرا } نفعا منكم . { إلا المودة في القربى } أي تودوني لقرابتي منكم ، أو تودوا قرابتي ، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى : لا أسألكم أجرا قط ولكني أسالكم المودة ، و{ في القربى } حال منها أي{ إلا المودة } ثابتة في ذوي { القربى } متمكنة في أهلها ، أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء في الحديث " الحب في الله والبغض في الله " . روي : أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم علينا قال : " علي وفاطمة وابناهما " . وقيل { القربى } التقرب إلى الله أي إلا تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح ، وقرئ " إلا مودة في القربى " . { ومن يقترف حسنة } ومن يكتسب طاعة سيما حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ومودته لهم . { نزد له فيها حسنا } في الحسنة بمضاعفة الثواب ، وقرئ " يزد " أي يزد الله وحسنى . { إن الله غفور } لمن أذنب . { شكور } لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ} (23)

21

المفردات :

إلا المودة في القربى : لكنني حريص على تبليغ الرسالة لكم لأنكم أهلي وقرابتي ، وآمل في إيمانكم ، وفي أن تودوني لقرابتي فيكم ، فتكفوا عني أذاكم ، وتمنعوا عني أذى غيركم .

التفسير :

23- { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } .

في الآية السابقة قارن الله بين عقوبة الظالمين وبين الفصل الكبير للصالحين في روضات الجنات ، وهنا يقول : ذلك الفضل الكبير هو الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، حيث يعجل لهم البشرى والأخبار السارة بمنازلهم في الجنة .

ثم يلقن الله تعالى رسوله بأن يتودد إلى قومه من قريش ، حيث لم تكن قبيلة من قبائل قريش إلا وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبينها نسب وقرابة ، فهو يقول لهم : لا أريد منكم أجرا على تبليغ الرسالة ، لكنني حريص على إيمانكم بسبب ما بيني وبينكم من قرابة ، فإذا لم تؤمنوا بي كرسول فكفوا أذاكم عني وحافظوا علي حتى أؤدي رسالة الله ، بسبب ما بيني وبينكم من قرابة .

وقد أورد ابن كثير طائفة كبيرة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية ، وذكر عدة آراء ، كذلك ذكر الطبري وأبو السعود وغيرهما .

وخلاصة هذه الآراء ما يأتي :

( أ ) معناها : إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم مثل : علي وفاطمة وولديهما .

( ب ) لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا إلا التقرب والتودد إلى الله تعالى بالعمل الصالح .

( ج ) الرأي الثالث - وهو الذي رجحه الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن - وهو أنه صلى الله عليه وسلم لا يطلب منهم أجرا ، إنما تدفعه المودة للقربى ، وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة بكل بطن من بطون قريش ، ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى ، ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم ، وهذا أجره وكفى .

روى البخاري بسنده ، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : { إلا المودة في القربى . . . } فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد . فقال ابن عباس : عجلت ، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من بطون قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة .

وعند التأمل نجد أن القرآن لوَّن في أساليب الدعوة إلى الهدى ، ومن بينها آصرة الأخوة الإنسانية تارة ، والرغبة في مشاركة الناس في الخير الذي يحمله الرسول في دعوته تارة ، فلا يستبعد هنا أن يطلب الرسول منهم أن يكفوا أذاهم عنه مراعاة للقرابة ، وأن يسمعوا ويلينوا لما يحمله محمد صلى الله عليه وسلم من أسباب الهداية ، فيكون هذا هو الأجر الذي يطلبه منهم لا سواه .

{ ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا . . . }

ومن يعمل عملا صالحا ، ويتزود بطاعة من الطاعات نضاعف له الثواب ، ونزيد الحسنة إلى عشر أمثالها وإلى سبعمائة ضعف ، ومن الحسنات المودة في القربى ، وروى أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه لشدة محبته لأهل البيت .

{ إن الله غفور . . . } واسع المغفرة عظيم الستر على عيوب عباده .

{ شكور } . عظيم الشكر لمن أطاعه ، حيث يوفيه حقه من الجزاء العظيم ويضاعف ثوابه ، ألا ما أجلَّ فضل الله ، إنه صاحب النعم وصاحب التوفيق والهداية ، وصاحب المغفرة والشكر ، فيا للفضل الذي يعجز الإنسان عن متابعته ، فضلا على شكره وتوفيته .