أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (21)

{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات } أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان ، والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة . { أن نجعلهم } أن نصيرهم . { كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } مثلهم وهو ثاني مفعولي نجعل وقوله : { سواء محياهم ومماتهم } بدل منه إن كان الضمير للموصول الأول ؛ لأن المماثلة فيه إذ المعنى إنكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيين في البهجة والكرامة كما هو للمؤمنين ، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص { سواء } بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف ، أو المفعولية والكاف حال ، وإن كان للثاني فحال منه أو استئناف يبين المقتضى للإنكار ، وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني ، وضمير الأول والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة ، أو استئناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في الهدى والضلال ، وقرئ " مماتهم " بالنصب على أن { محياهم ومماتهم } ظرفان كمقدم الحاج . { ساء ما يحكمون } ساء حكمهم هذا أو بئس شيئا حكموا به ذلك .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (21)

21

المفردات :

اجترحوا السيئات : اكتسبوا الكفر والمعاصي .

ساء ما يحكمون : قبح ما يقضون به .

التفسير :

21- { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون } .

زعم الكافرون أن القيامة إذا قامت فإن لهم منزلة سامية عند الله ، كما كانوا في الدنيا ، فسيكونون كذلك في الآخرة ، وقد رد الله عليهم بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد أطاعوا الله وأطاعوا رسوله ، فاستحقوا رضوان الله في الدنيا ، وجنته في الآخرة ، أما الكافرون فقد خالفوا أمر الله وكذبوا رسوله ، فاستحقوا غضب الله في الدنيا ، وعذاب النار في الآخرة .

قال الزمخشري :

المعنى : إنكار أن يستوي المحسنون والمسيئون محيا ، وأن يستووا مماتا ، لافتراق أحوالهم في ذلك ، والآية متضمنة للرد على الكفار ، كما يعرف بأدنى تدبر ، لأن الله إذا أنكر عليهم المساواة ، فكيف بالأفضلية ؟

المؤمنون عملوا أعمالا صالحة ، فحافظوا على الإيمان والطاعة ، وابتعدوا عن معصية الله ، والكافرون اقترفوا المعاصي والفسوق في الدنيا ، وإذا لم يستويا في الدنيا عملا ، فلن يستويا في الآخرة في الجزاء .

وقد جاء هذا المعنى في سورة السجدة ، قال تعالى : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار . . . } ( السجدة : 18-20 ) .

وقال تعالى : { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } . ( الحشر : 20 ) .

ومعنى الآية :

{ ساء ما يحكمون } .

أي : ساء ما ظنوا ، وبعد أن نساوي بين الأبرار والفجار في الآخرة ، وفي هذه الدار .

قال مجاهد :

المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا ، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا ، نقله القرطبي في تفسيره .

وقد كان الصحابة والتابعون يرددون هذه الآية هضما لأنفسهم ، وترغيبا لأنفسهم في الحسنات ، وتزهيدا في السيئات ، فقد أخرج الطبراني ، عن أبي الضحى ، عن مسروق أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية : { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . }

وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه إذا قرأها : ليت شعري ، من أي الفريقين أنت ؟