ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضاً بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتاً لهم بضلالهم{[18506]} واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي ، فقادهم{[18507]} ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة{[18508]} التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم{[18509]} إلى المصارمة{[18510]} . ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق{[18511]} في الآراء{[18512]} بيَّن أن الأمر ليس كذلك فقال : { واختلفوا } بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة{[18513]} من{[18514]} يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى .
ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه{[18515]} زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال : { من } أي وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من{[18516]} { بعد ما جاءهم } وعظمه بإعرائه عن التأنيث { البينات } أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم{[18517]} وينفعهم ، فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم .
ولما كان التقدير : فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون{[18518]} ، عطف عليه{[18519]} قوله : { {[18520]}وأولئك } أي{[18521]} {[18522]}البعداء البغضاء{[18523]} { لهم عذاب عظيم * } أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا {[18524]}باختلافهم منابذين{[18525]} لما من شأنه الجمع ، والآية من الاحتباك : إثبات " المفلحون " أولاً يدل على " الخاسرون " ثانياً ، والعذاب{[18526]} العظيم ثانياً يدل على النعيم المقيم أولاً .
قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) يحذر الله عباده المؤمنين في هذا البيان البليغ تحذيرا شديدا أن يكونوا كالذين خلوا من قبلكم وهم أهل الكتاب ؛ إذ تفرقوا واختلفوا . ومعناهما واحد وذكرهما للتأكيد . وقيل : بل معناهما مختلف : فقد تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين . وقيل غير ذلك .
والمقصود تحذير المسلمين مما آلت إليه حال الأمم السالفة في تفرقهم إلى ملل وطوائف شتى ، واختلافهم فيما بينهم اختلافا متباينا بسبب ركونهم للهوى وطاعتهم للنفس الجانحة للسوء واستسلامهم للطبع الخسيس الغلاب ألا وهو الحسد . يحذر الله هذه الأمة من الشقاق والفرقة والانقسام والتمزق طمعا في مكاسب دنيوية رخيصة ، أو جريا وراء هوى جامح منحدر يهبط بصاحبه إلى أحط الدركات من الإسفاف والضعة والحقار .
يحذر الله من كل ظواهر التدابر والخصام من غير يقين في ذلك ولا برهان إلا محض الثرثرة واللغط واستمراء الجدل العقيم ، أو انقيادا للوثة الحسد البغيض .
قوله : ( من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لأهم عذاب عظيم ) ذلك شأن أهل الكتاب فقد جاءتهم البينات وهي الآيات الواضحة التي تبين لهم الحق في غير إبهام والتي توجب الألفة والاتفاق وعدم الاختلاف ، لكنهم مع ذلك تفرقوا واختلفوا . لا جرم أن عاقبة أولئك السوء وهو العذاب العظيم . فحذار أيها المسلمون أن يصيبكم ما أصابهم إذا نكصتم على أعقابكم فعصفت بكم رياح التفرق والاختلاف{[562]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.