نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (103)

ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله{[18449]} قاصراً ، دلهم{[18450]} - بعد أن أوقفتهم{[18451]} التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال : { واعتصموا } أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم { بحبل الله } أي طريق دين{[18452]} الملك الذي لا كفوء له التي نهجها{[18453]} لكم ومهدها{[18454]} ، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة ، وكل{[18455]} من يمشي على طريق دقيق يخاف{[18456]} أن تزلق{[18457]} رجله عنه{[18458]} إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف ، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح ، وهذا الدين{[18459]} مثاله ، فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته ، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله .

ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم{[18460]} الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله : { جميعاً } لا تدعوا أحداً منكم يشذ{[18461]} عنها ، بل كلما عثرتم{[18462]} على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره ، ولا تغفلوا عنه فيختل{[18463]} النظام ، وتتعبوا{[18464]} على الدوام ، بل تزالوا{[18465]} كالرابط ربطاً{[18466]} شديداً حزمة{[18467]} نبل{[18468]} بحبل ، لا يدع واحدة منها تنفرد{[18469]} عن الأخرى ، ثم أكد ذلك{[18470]} بقوله : { ولا تفرقوا } ثم ذكرهم{[18471]} نعمة الاجتماع ، لأن{[18472]} ذلك باعث على شكرها ، وهو باعث على إدامة الاعتصام والتقوى ، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال : { واذكروا نعمة الله } الذي له الكمال كله { عليكم } يا من اعتصم{[18473]} بعصام الدين ! { إذا كنتم أعداء } متنافرين أشد تنافر { فألف بين قلوبكم } بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم { فأصبحتم بنعمته إخواناً } قد نزع ما في قلوبكم من الإحن{[18474]} ، وأزال{[18475]} تلك{[18476]} الفتن والمحن .

ولما ذكر النعمة التي أنقذتهم من هلاك الدنيا{[18477]} ثنى بما تبع{[18478]} ذلك من نعمة الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال : { وكنتم على شفا } أي حرف وطرف { حفرة من النار } بما كنتم فيه من الجاهلية { فأنقذكم منها } .

ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن يقول : لله در{[18479]} هذا البيان ! ما أغربه من بيان ! - { كذلك } أي مثل هذا البيان البعيد المنال{[18480]} البديع{[18481]} المثال { يبين الله } المحيط علمه الشاملة{[18482]} قدرته بعظمته{[18483]} { لكم آياته } وعظم الأمر بتخصيصهم به{[18484]} وإضافة الآي إليه . {[18485]}ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله{[18486]} : { لعلكم تهتدون * } أي ليكون{[18487]} حالكم عند من ينظركم حال من ترجى{[18488]} وتتوقع هدايته ، هذا الترجي حالكم فيما بينكم ، وأما هو سبحانه وتعالى فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي ، ثم الأمر إليه ، فمن شاء هداه ، ومن أراد أرداه{[18489]} .


[18449]:في ظ: فعله.
[18450]:من ظ ومد، وفي الأصل: ولهم.
[18451]:في ظ: أو تعتم.
[18452]:زيد من ظ ومد.
[18453]:في ظ: منحها.
[18454]:العبارة من "الملك الذي" إلى هنا تأخرت في الأصل عن "أكده بقوله"، والترتيب من ظ ومد.
[18455]:زيد من ظ ومد.
[18456]:سقط من مد.
[18457]:في ظ: يزلف.
[18458]:من ظ ومد، وفي الأصل: عليه.
[18459]:في ظ: الذي.
[18460]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[18461]:في الأصل ومد: يشد، وفي ظ: يسند.
[18462]:من مد، وفي الأصل: اغترتم، وفي ظ: عرتم ـ كذا.
[18463]:من ظ ومد، وفي الأصل: مثل ـ كذا.
[18464]:في ظ: منتعوا ـ كذا.
[18465]:في ظ: لا يزالوا.
[18466]:سقط من ظ.
[18467]:من ظ ومد، وفي الأصل: خزمه.
[18468]:من مد، وفي الأًصل: قبل، وفي ظ: بقل ـ كذا.
[18469]:في ظ: منفرد.
[18470]:في ظ: ذكر.
[18471]:في ظ: ذكر.
[18472]:من ظ ومد، وفي الأصل: كان.
[18473]:من ظ ومد، وفي الأصل: اعتقتم.
[18474]:من مد، وفي الأصل: الأجل، وفي ظ: الآخر.
[18475]:في ظ: إزالة ، وفي مد: زال.
[18476]:من ظ ومد، وفي الأصل: ذلك.
[18477]:زيد بعده في ظ: ثم.
[18478]:في مد: يتبع.
[18479]:في ظ: رد.
[18480]:من ظ ومد، وفي الأصل: المثال.
[18481]:في ظ: البعيد.
[18482]:من مد، وفي الأصل وظ: الشامل.
[18483]:زيد من ظ ومد.
[18484]:سقط من ظ.
[18485]:سقطت من ظ .
[18486]:سقطت من ظ.
[18487]:في مد، لتكون.
[18488]:من مد، وفي الأصل وظ: يرجى.
[18489]:من ظ ومد، وفي الأصل: أراده.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (103)

قوله : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) اعتصموا من العصمة ، وهي المنع . عصمه الطعام أي منعه من الجوع . والعصمة أيضا تعني الحفظ . اعتصم بالله أي امتنع بلطفه من المعصية . واستعصم بكذا إذا تقوى وامتنع{[554]} .

الله جل جلاله يأمر عباده المسلمين أن يتعصموا ، أي يتمسكوا بحبله ، والحبل في اللغة فهو السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة ؛ ولذلك سمي الأمان حبلا ؛ لأنه سبب يوصل إلى زوال الخوف ، والنجاة من الجزع والذعر .

والمراد بحبل الله في الآية العهد . وقيل : الجماعة . وذهب آخرون إلى أنه القرآن وهو عندي الأظهر والأقوى . لما يعزز ذلك من خبر عن علي مرفوعا في صفة القرآن قال : " هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم " وورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض " .

وفي حديث آخر عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين ، وهو النور المبين ، وهو الشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه " {[555]} .

قوله : ( ولا تفرقوا ) ذلك نهي من الله لمسلمين عن التفرق ، وهو التبعثر والشقاق والاختلاف فيما بينهم في الدين . وليس المراد الاختلاف في الأقوال والآراء التفصيلية لأحكام الشريعة ، فذلك مرغوب لا بأس فيه ، ولكن المراد اختلاف القلوب تبعا لاختلاف الأهواء الذاتية والمصالح الشخصية بما يفضي إلى زوال الألفة والاجتماع بين المسلمين وما يوقع بينهم العداوة والبغضاء والمشاحنة وإثارة الفتن والحروب .

إن قول الله : ( ولا تفرقوا ) يظل نداء مستديما وقائما يهتف بالمسلمين طوال الدهر أن لا تتفرق كلمتهم ، وأن لا تتبعثر قلوبهم ، وأن لا تتشتت جماعتهم ، وأن يحذروا دائما من دعاة السوء والمكر والتخريب من الأعداء الذين يتربصون بهم الدوائر ليوقعوا بينهم الضغائن والفتن فتضعف وحدتهم ويتمزق شملهم ؛ ليسهل على المجرمين والطغاة الطامعين من استعماريين وصليبيين ووثنيين وملحدين وصهيونيين- افتراسهم والاستحواذ عليهم . لا جرم أن التفرق داء وبيل ومدمر يوهن المسلمين ويودي بهم إلى التفكك والانهيار والسقوط في براثن الشياطين من شرار البشر ، إنه لا مناص للمسلمين إذ ابتغوا لأنفسهم العزة والمنعة والسلطان وتحصيل السعادة في الدارين- من الاجتماع في وحدة حقيقة واحدة . وحدة متماسكة متينة تجتمع فيها قلوبهم وأهواؤهم حول حقيقة واحدة كبرى ، وذلكم هو الإسلام ، دون غيره من الأديان والملل أو العقائد والفلسفات والمبادئ المختلفة .

وفي التحذير من الافتراق والاختلاف روي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة . وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة " فقيل : يا رسول الله وما هذه الواحدة ؟ قال : فقبض يده وقال : " الجماعة واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " .

قوله : ( واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمة إخوانا ) أي اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم مشركين إذ يقتل بعضكم بعضا ويخاصم الواحد منكم الآخر لا يحفزه أو يثيره إل مثل ذلك غير الحماقة الطاغية ، والهوى الجامح الضال .

لقد كنتم على هذه الحال من عصبية الجاهلية برعونتها ومفاسدهاه وحماقاتها حتى قيض الله لكم هذا النبي الكريم للناس هاديا وبشيرا . وقيض لكم الإسلام ليكون لكم فيه الخير والسلامة والنجاة من كل العيوب والأوضار والشرور ، ( فأصبحتم ) ( صرتم ) بذلك إخوانا في عقيدة الإسلام متحابين متآلفين متحدين بفعل هذا الدين الذي فيه سر نجاتكم وفلاحكم ، والذي حوى من القيم والمعاني ما يغسل القلوب من الأدران وأوشاب الدنيا " ، ويغسل الأذهان من شبهات التفكير الضال ؛ لينقلب الإنسان إلى كائن جديد مميز ومفضال يفيض بالعطاء والخير . كائن سليم من الأمراض والعقد والشذوذ .

قوله : ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) شفا الشيء ، أي حرفه . وهو اسم مقصور . مثل شفا البئر . أي حده وحرفه ، وشفيره أشفى على الشيء ، إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حرفه ، ومنه : أشفى المريض على الموت{[556]} .

والمقصود أن هؤلاء المؤمنين كانوا قبل إسلامهم على طرف جهنم . وذلك بكفرهم وجاهليتهم الضالة حتى كادوا يكبكبون فيها لولا أن منّ الله عليهم بالإسلام فأنقذهم من النار . وكذلك تكون الحال لكل واحد من الناس أو أمة من الأمم فإنها قائمة موقوفة على شفير جهنم حتى لتوشك أن تهوي فيها إلا أن تفيء إلى كلمة الله . الكلمة الصادقة الأمينة- كلمة الإسلام العظيم . وفي ذلك ما ينتشل الإنسانية من رجس المفسدين ويفضي بها إلى النجاة والسعادة .

قوله : ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) الكاف في اسم الإشارة في محل نصب ، نائب مفعول مطلق أو في محل نصب على الحال . والمعنى أنه مثل ذلك البيان البليغ المذكور الذي عرفكم فيه ربكم كيد الكائدين وتربصهم بكم ، وعرفكم مواقع نعمه وصنائعه لديكم فإنه يبين لكم ( آياته ) أي دلائله وحججه الساطعة ( لعلكم تهتدون ) أي لتهتدوا إلى سبيل الرشاد فلا تضلوا أو تتعثروا ؛ لأنكم أصبحتم بذلك على جادة الصواب{[557]} .


[554]:-مختار الصحاح ص 437.
[555]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 388 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 21.
[556]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 180 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 165.
[557]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 180 والكشاف جـ 1 ض 452.