نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (106)

ولما قدم ما{[18527]} لأهل الكتاب المقدمين على الكفر{[18528]} على علم يوم القيامة في قوله{ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم{[18529]} }[ آل عمران : 77 ] وختم {[18530]}تلك الآية{[18531]} بأنهم{[18532]} لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه الآية{[18533]} بأنه مع{[18534]} ذلك عظيم ؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئاً بما هو أنكى لهم من تنعيم أضدادهم - : { يوم تبيض وجوه } أي بما{[18535]} لها من المآثر{[18536]} الحسنة { وتسود وجوه } بما عليها من الجرائر{[18537]} السيئة { فأما الذين اسودت وجوههم } بدأ بهم لأن {[18538]}النشر المشوش أفصح{[18539]} ، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية لأهله ، فيقال{[18540]} لهم توبيخاً وتقريعاً{[18541]} : { أكفرتم } يا سود الوجوه وعبيد الشهوات ! { بعد إيمانكم } بما جبلتم عليه من الفطر{[18542]} السليمة ومكنتم{[18543]} به من العقول المستقيمة من النظر في الدلائل ، ثم بما{[18544]} أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود { فذوقوا العذاب } أي الأليم العظيم { بما كنتم تكفرون * } وأنتم تعلمون ، فإنكم في لعنة الله ماكثون{[18545]}


[18527]:في ظ: فالعذاب.
[18528]:في ظ: الكفرة.
[18529]:سورة 3 آية 77.
[18530]:في ظ: ذلك الأمة، وفي مد: تلك الأمة.
[18531]:في ظ: ذلك الأمة، و في مد: تلك الأمة.
[18532]:من ظ ومد، وفي الأصل: بأن.
[18533]:سقط من مد.
[18534]:من مد، وفي الأًصل وظ: من.
[18535]:في ظ: لنا من أثر.
[18536]:في ظ: لنا من أثر.
[18537]:من مد، وفي الأصل: الجاير، وفي ظ: الجوائز ـ كذا.
[18538]:من مد، وفي الأصل: النسر المسوس أفضح، وفي ظ: السو المسوس أفضح ـ كذا.
[18539]:من مد، وفي الأصل: النسر المسوس أفضح، وفي ظ: السو المسوس أفضح ـ كذا.
[18540]:في ظ: فقال.
[18541]:من ظ ومد، وفي الأًصل: تقريحا.
[18542]:من ظ ومد، وفي الأًصل: الفطرة.
[18543]:من ظ ومد، وفي الأًصل: ومكبتم.
[18544]:في ظ: بها.
[18545]:من مد، وفي الأصل وظ: ماكنون.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (106)

قوله تعالى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانهم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) ذلك كائن يوم القيامة حيث القواصم والشدائد وهول الحساب والميزان . هنالك تجد كل نفس ما عملت من خير أو سوء محضرا ، وعندئذ يستيقن المرء من مآله إن كان في زمرة الناجين الفائزين بالنعيم أو كان في زمرة الخاسرين المكبكبين في سجّين . فإذا استيقن أنه ناج من العذاب استبشر وتهلل وغشيت وجهه غمرة من الإشراق والنضرة وعلائم الحبور ، أما إذا استيقن أنه خاسر وأنه في الأذلين المعذبين غشيته غاشية من الاغتمام والعبوس وتظلل وجهة بظلة من سواد الإياس والابتئاس والعياذ بالله .

أولئك الخاسرون المبثورون يقال لهم حينئذ : ( أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) ذلك استفهام بمعنى الإنكار وفيه من التقريع والتوبيخ ما يليق بهذا الصنف الشقي من الناس ، وهم الكافرون والمنافقون وغيرهم من المضلين المفسدين الذين زاغوا عن محجة الإسلام وعن طريقه السوي السليم وهم يحسبون أنهم على شيء ، لكنهم ليسوا في الحقيقة غير مضللين مخادعين ، أولئك عن أهل الأهواء والبدع الكافرة ، كالدهرية والسبأية والغرابية والعلوية والباطنية والمجسمة والمشبهة والثنوية والحشاشين والدروز . إلى غير هؤلاء من الزنادقة وأولي الأهواء الجانحة الضاربة في أغوار الضلالة والفسق .

إن هؤلاء جميعا سيقرّعون يوم القيامة تقريعا وسوف يبوءون بالمهانة والتهكم اللاذع ما يزيدهم إيلاما وحسرة .