ولما أرشدهم إلى هذه{[19682]} المراشد ، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد ، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم بما له من الفضائل التي{[19683]} من أعظمها كونه من جنسهم ، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم ، فيألفونه فيعلمهم ؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه{[19684]} ، ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هديه فقال سبحانه وتعالى - مؤكداً لما اقتضاه الحال من فعل{[19685]} يلزم منه النسبة إلى الغلول - : { لقد من الله } أي ذو الجلال والإكرام { على المؤمنين } خصهم{[19686]} لأنهم المجتبون{[19687]} لهذه النعمة{[19688]} { إذا بعث فيهم } أي فيما بينهم {[19689]}أو بسببهم{[19690]} { رسولاً } وزادهم رغبة فيه بقوله{[19691]} : { من أنفسهم } أي نوعاً وصنفاً ، يعلمون أمانته و{[19692]}صيانته وشرفه{[19693]} ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها{[19694]} { يتلوا عليهم آياته } أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيراً من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه ، وما لم نعرفه أكثر { ويزكيهم } أي يطهرهم من أوزار الدنيا والأوزار بما يفهمه{[19695]} بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات ، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك ، كما مضى في سورة البقرة { ويعلمهم الكتاب } أي تلاوة{[19696]} بكونه من نوعهم {[19697]}يلذ لهم{[19698]} التلقي منه { والحكمة } تفسيراً وإبانة وتحريراً { وإن } أي والحال أنهم { كانوا } ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال{[19699]} { {[19700]}من قبل{[19701]} } أي من قبل ذلك{[19702]} { {[19703]}لفي ضلال مبين{[19704]} * } أي ظاهر ، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي{[19705]} على نفسه بإيضاح لبسه ، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم{[19706]} في أول النهار ، فلما خالفوه{[19707]} حصل الخذلان .
قوله تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .
قوله : ( منَّ ) من المنة بكسر الميم والجمع منن . منّ عليه أو امتن عليه بكذا ، أي أنعم عليه به . مننت عليه منّا ، أي عددت له ما فعلت له من الصنائع ، كأن تقول : أعطيتك ، وفعلت لك{[633]} .
الله جل جلاله يمتن على عباده المؤمنين بأن بعث فيهم محمدا صلى الله عليه و سلم . هذا النبي المفضل الفذ . الذي خلب بسيرته وخصاله وفعاله العظيمة كل الألباب ، وأدهش بسداده وبراعته الأذهان والنهي ، وبهر الطبائع والبصائر لحسن أخلاقه وجمال فطرته الناصعة البيضاء . لا جرم أن محمدا صلى الله عليه و سلم خير العالمين وإمام البشرية في هذه الدنيا ويوم تقوم الساعة حيث البقاء والقرار والديمومة .
يمتن الله على المؤمنين ببعث هذا النبي المكرم المفضال . أما وجه الامتنان ببعث هذا النبي عليه السلام فهو يتجلى في كونه ( من أنفسهم ) أي من جنسهم . وعلى هذا كان لسانه كلسانهم ، فسهل عليهم أن يقفوا على ما يحدثهم به ؛ لما في ذلك من قرب للقلوب والعقول .
ولكونه من جنسهم فهم أعلى الناس بأحواله وسلوكه وحقيقة شخصيته من الصدق والأمانة والسجاحة وسلامة الطبع والفطرة . فكان ذلك مدعاة لهم أن يصدقوه ويثقوا به .
قوله : ( يتلو عليهم آياته ) الجملة في محل نصب نعت لرسول . والمراد بآيات الله هنا القرآن الكريم . فقد تلاه النبي الكريم على العرب بعد أن كانوا أهل جاهلية بكل ما في الجاهلية من حماقات وضلالات .
وقوله : ( ويزكيهم ) أي يطهرهم من خطايا الجوارح وفساد القلوب والنوايا .
وقوله : ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) أي القرآن والسنة .
وقوله : ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) أي لقد كانوا من قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه و سلم لفي غي وجهالة وعمه ظاهر لا شك فيه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.