نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا} (17)

ولما كان هذا معلماً بأنهم عدم لا اعتبار بهم ، قال مسبباً عنه تهديداً لهم يا له من تهديد {[72756]}ما أصعبه{[72757]} : { فمهل } أي تمهيلاً عظيماً بالتدريج . ولما كان في المكذبين في علم الله من يؤمن فليس مستحقاً لإيقاع مثل هذا التهديد ، عبر بالوصف المقتضي للرسوخ فقال : { الكافرين } أي فلا تدع عليهم ولا تستعجل لهم بالإهلاك ، فإنا لا نعجل {[72758]}لأنه لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت ، حكي أن الحجاج كان سجنه من رخام وأرضه من رصاص ، فكان يتلون بتلون الأوقات ، فوقت الحر جهنم ، ووقت البرد زمهرير ، فمر به يوماً فاستغاثوا فطأطأ رأسه لهم وقال : اخسؤوا فيها ولا تكلمون ، فأخذت الأرض قوائم جواده فرفع طرفه إلى السماء وقال : سبحانك لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت ، وانطلق من وقته{[72759]} ، فإن العجلة -وهي-{[72760]} إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به -{[72761]} نقص فإنه لا يعجل إلا من يكون ما يفعل-{[72762]} المستعجل عليه خارجاً عن قبضته .

ولما كانت صيغة التفعيل ربما أفهمت التطويل ، أكد ذلك مجرداً للفعل دلالة على أن المراد بالأول إيقاع الإمهال مع أن زمنه قصير بالتدريج ليطمئن الممهل بذلك{[72763]} وتصير له به-{[72764]} قوة عظيمة ودرته ؟ وعزيمة صادقة لأن ما يقولونه مما تشتد كراهة النفوس له ، فلا يقدر أحد على الإعراض عنه إلا بمعونة عظيمة : { أمهلهم } أي بالإعراض عنهم مرة واحدة بعد التدريج لما صار لك على حمله من القوة بالتدريج{[72765]} - الذي أمرت به سابقاً { رويداً * } أي إمهالاً يسيراً فستكون عن قريب لهم أمور ، وأي أمور تشفي الصدور ، وهو تصغير " اروادا " تصغير ترخيم ، قال ابن برجان : وهي كلمة تعطي الرفق ، وهذا الآخر هو المراد بما في أولها من أن كلاًّ منهم ومن غيرهم محفوظ بحفظه مضبوطة أقواله وأفعاله و{[72766]}حركاته وسكناته{[72767]} وأحواله ، فإن ذلك مستلزم لأنه{[72768]} في القبضة ، فقد{[72769]} التقى الطرفان على أعظم شأن بأبين-{[72770]} برهان ، ووقع أول هذا الوعيد يوم بدر ثم تولى{[72771]} نكالهم وتحقيرهم{[72772]} وإسفالهم إلى أن ذهب كثير منهم بالسيف وكثير منهم بالموت-{[72773]} حتف الأنف إلى النار ، وبقي الباقون في الصغار إلى أن أعزهم الله بعز الإسلام ، وصاروا من الأكابر الأعلام{[72774]} ، تشريفاً {[72775]}وتكريماً وتعظيماً{[72776]} لهذا النبي الكريم{[72777]} عليه أفضل الصلاة والسلام{[72778]} ، والله تعالى هو أعلم بالصواب{[72779]} .

ختام السورة:

وهذا الآخر هو المراد بما في أولها من أن كلاًّ منهم ومن غيرهم محفوظ بحفظه مضبوطة أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وأحواله ، فإن ذلك مستلزم لأنه في القبضة ، فقد التقى الطرفان على أعظم شأن بأبين برهان ، ووقع أول هذا الوعيد يوم بدر ثم تولى نكالهم وتحقيرهم وإسفالهم إلى أن ذهب كثير منهم بالسيف وكثير منهم بالموت حتف الأنف إلى النار ، وبقي الباقون في الصغار إلى أن أعزهم الله بعز الإسلام ، وصاروا من الأكابر الأعلام ، تشريفاً وتكريماً وتعظيماً لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ، والله تعالى هو أعلم بالصواب .


[72756]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م، وزيد في الأصل: قوله.
[72757]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م، وزيد في الأصل: قوله.
[72758]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[72759]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[72760]:زيد من ظ و م.
[72761]:زيد في الأصل: وهذا، ولم تكن الزيادة في ظ و م فحذفناها.
[72762]:زيد من ظ و م.
[72763]:من ظ و م، وفي الأصل: به.
[72764]:زيد من ظ و م.
[72765]:زيد من ظ و م.
[72766]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[72767]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[72768]:من م، وفي الأصل و ظ: أنه.
[72769]:من ظ وم، وفي الأصل: رجع و.
[72770]:زيد من ظ و م.
[72771]:من ظ و م، وفي الأصل: تول.
[72772]:زيد من ظ و م.
[72773]:من ظ و م، وفي الأصل: تحقير.
[72774]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[72775]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[72776]:من ظ و م، وفي الأصل: الأعيان.
[72777]:زيد في الأصل: على ربه، ولم تكن الزيادة في ظ و م فحذفناها.
[72778]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[72779]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.