الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (19)

قوله تعالى : { فَأَدْلَى دَلْوَهُ } : يُقال : أَدْلَى دَلْوَه ، أي : أرسلها في البئر . و " دَلاها " إذا أَخْرجها مَلأى ، قال :

2759 لا تَقْلَوها وادْلُواها دَلْوا *** إنَّ مع اليوم أخاه غَدْوا

والدَّلْوُ مؤنثةٌ فتصغَّر على دُلِيَّة ، وتُجمع على دِلاء وأَدْلٍ والأصل : دِلاو فقُلبت الواوُ همزةً نحو كساء ، وأَدْلِوٌ فأُعِلَّ إعلالَ قاضٍِ ، ودُلُوْوٌ بواوين فَقُلِبتا ياءَيْن نحو : عِصِيّ .

قوله : { يبُشْرَاى } قرأ الكوفيون بحذف ياء الإِضافة ، وأمال ألفَ فُعْلى الأخوان ، وأمالها ورش بين بين على أصله ، وعن أبي عمرو الوجهان ، ولكن الأشهرَ عنه عدمُ الإِمالة ، وليس ذلك مِنْ أصله على ما قُرِّر في علم القراءات . وقرأ الباقون " يا بشراي " مضافة لياء المتكلم ، ونداء البشرى على حدِّ قولِه : { يحَسْرَتَا عَلَى } [ الزمر : 56 ] { يحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ }

[ يس : 30 ] كأنه يقول : يا بشرى هذا وقتُ أوانِ أن تُنادَيْ ويُصاحَ بكِ . ومَنْ زعم أنَّ " بشرى " اسم رجل كالسدِّي فقد أَبْعَدَ .

وقرأ ورش عن نافع " يا بُشْراْيْ " بسكون الياء ، وهو جمعٌ بين ساكنين في الوصل ، وهذا كما تقدم في { وَمَحْيَايَ } [ الأنعام : 162 ] ، فعليك بالالتفات إليه . وقال الزمخشري : " وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حَدِّه إلا أن يَقْصِدَ الوقف " .

وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق والحسن : " يا بُشْرَيَّ " بقلبِ الألفِ ياءً وإدغامها في ياء الإِضافة وهي لغة هُذَلِيَّة تقدَّم الكلامُ عليها في البقرة عند قوله : { فَمَنْ تَبِعَ هُدَيَّ } [ البقرة : 38 ] . وقال الزمخشري : " وفي قراءة الحسن يا بُشْرَيَّ بالياء مكان الألف جُعِلَتْ الياءُ بمنزلة الكسرة قبل ياء الإِضافة وهي لغة للعرب مشهورة ، سمعت أهلَ السروات يقولون في دعائهم : يا سيدي ومَوْلَيَّ " .

قوله : { وَأَسَرُّوهُ } الضمير المرفوع الظاهر أنه يعود على " السَّيَّارة " . وقيل : هو ضميرُ إخوتِه . و " بضاعةً " نصب على الحال ، أو مفعول ثانٍ على أن يُضَمَّن " أَسَرُّوه " معنى صَيَّروه بالسرِّ . والبضاعة قطعةٌ من المال تُعَدُّ للتجارة مِنْ " بَضَعْت " ، أي : قَطَعْتُ ، ومنه المِبْضع لِما يُقْطَعُ به .