البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{۞كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ} (9)

{ كذبت قبلهم } : أي قبل قريش ، { قوم نوح } وفيه وعيد لقريش وضرب مثل لهم .

ومفعول كذبت محذوف ، أي كذبت الرسل ، فكذبوا نوحاً عليه السلام .

لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً ، كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل .

ويجوز أن يكون المحذوف نوحاً أول مجيئه إليهم ، فكذبوه تكذيباً يعقبه تكذيب .

كلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعه قرن مكذب .

وفي لفظ عبدنا تشريف وخصوصية بالعبودية ، كقوله تعالى : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } { سبحان الذي أسرى بعبده } { وقالوا مجنون } : أي هو مجنون .

لما رأوا الآيات الدالة على صدقه قالوا : هو مصاب الجن ، لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إلى الجنون ، أي يقول ما لا يقبله عاقل ، وذلك مبالغة في تكذيبهم .

{ وازدجر فدعا ربه أني مغلوب } ، الظاهر أن قوله : { وازدجر } من أخبار الله تعالى ، أي انتهروه وزجروه بالسبب والتخويف ، قاله ابن زيد وقرأ : { لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين } .

قيل : والمعنى أنهم فعلوا به ما يوجب الانزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم إلى الإيمان وعدل إلى الدعاء عليهم .

وقال مجاهد : وازدجر من تمام قولهم ، أي قالوا وازدجر : أي استطير جنوناً ، أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته .