أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (87)

شرح الكلمات :

{ وذا النون } : هو يونس بن متى عليه السلام وأضيف إلى النون الذي هو الحوت في قوله تعالى { ولا تكن كصاحب الحوت } لأن حوتة كبيرة ابتلعته .

{ إذ ذهب مغاضباً } : أي لربه تعالى حيث لم يرجع إلى قومه لما بلغه أن الله رفع عنهم العذاب .

{ فظن أن لن نقدر عليه } : أي أن لن نحبسه ونضيق عليه في بطن الحوت من أجل مغاضبته .

{ في الظلمات } : ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في ذكر أفضال الله تعالى وإنعامه على من يشاء من عباده فقال تعالى : { وذا النون } أي واذكر ذا النون أي يونس بن متى { إذ ذهب مغاضبا } لربه تعالى حيث لم يصبر على بقائه مع قومه يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته وطاعته وطاعة رسوله فسأل لهم العذاب ، ولما تابوا ورفع عنهم العذاب بتوبتهم وعلم بذلك فلم يرجع إليهم فكان هذا منه مغاضبة لربه تعالى وقوله تعالى عنه : { فظن أن لن نقدر عليه } أي ظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يحبسه في بطن الحوت ولا يضيق عليه وهو حسن ظن منه في ربه سبحانه وتعالى ، ولكن لمغاضبته ربه بعدم العودة إلى قومه بعد أن رفع عنهم العذاب أصابه ربه تطهيراً له من أمر المخالفة الخفيفة بأن ألقاه في ظلمات ثلاث ، ظلمة الحوت والبحر والليل ثم ألهمه الدعاء الذي به النجاة فكان يسبح في الظلمات الثلاث { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } فاستجاب الله تعالى له وهو معنى قوله : { وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم } الذي أصابه من وجوده في ظلمات محبوساً لا أنيس ولا طعام ولا شراب مع غم نفسه من جراء عدم عودته إلى قومه وقد أنجاهم الله من العذاب . وهو سبب المصيبة .

الهداية

من الهداية :

- فضيلة دعوة ذي النون : { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } . إذ ورد أنه ما دعا بها مؤمن إلا استجيب له ، وقوله تعالى : { وكذلك ننجي المؤمنين } يقوي هذا الخبر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (87)

قوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( 87 ) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ( 88 ) } ( النون ) ، معناه الحوت . ( وذا النون ) أي صاحب الحوت وهو يونس ابن متّى ؛ فقد بعثه الله إلى أهل نينوى بالعراق فدعاهم إلى الله تعالى فأبوا واستكبروا ، فغضب منهم لله شديد الغضب . وهو قوله : ( إذ ذهب مغاضبا ) ( مغاضبا ) ، منصوب على الحال . أي مراغما لقومه . ومعنى مغاضبته لهم : إنه أغضبهم بمفارقته لهم ؛ إذ خافوا أن يحل بهم عقاب من الله . وقد ذكر إنه تبرّم بهم لطول ما دعاهم إلى عبادة الله وذكَّرهم تذكيرا فلم يتعظوا ؛ بل أقاموا على كفرهم معاندين . فراغمهم يونس إغضابا لهم ظنا منه جواز ذلك ، مع أنه لم يفعله إلا غضبا وبغضا للكفر والكافرين ؛ فقد كان عليه أن يحتمل ويصبر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم . من أجل ذلك ابتلاه ربه ببطن الحوت . وهو قوله : ( فظن أن لن نقدر عليه ) أي نضيق عليه . وقد ذكر أنه عليه السلام حال مغاضبته لهم ، ذهب صوب البحر فركب مع قوم في سفينة فاضطربت بهم وخافوا الغرق ، فاقترعوا على رجل من بينهم يلقونه في البحر يتخففون منه ، فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات ؛ إذ كانوا يأبون أن يلقوه لما لمسوه فيه من صلاح وتقوى . فما لبث يونس بعد ذلك أن ألقى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) جمع الظلمات لشدة تكاثفها فكأنها ظُلمة فوق ظلمة . وقيل : الظلمات هي : ظلمة بطن الحوت . وظلمة البحر . وظلمة الليل .

وفي هذه الساعات العصيبة التي تذهب فيها النفس ويغيب فيها كل نصير ومعوان ، وينقطع فيها الرجاء من كل أسباب المدد أو النجاة ، يلوذ المؤمن المبتلى المكروب برب العالمين ؛ ليجد في رحابه الأمن والسكينة والرضى وعسى أن يكشف عنه الغم ويدرأ عنه ما أحاط به من بلاء وهو يدعو ربه ضارعا إليه متذللا ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) أي ظلمت نفسي بخروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الخروج . وقد روى الترمذي والنسائي بسنده عن سعد قال : قال رسول الله ( ص ) : " من دعا بدعاء يونس استجيب له " وروى الإمام أحمد بسنده عن عثمان بن عفان من حديث عن رسول الله ( ص ) قال فيه : " نعم دعوة ذي النون ؛ إذ هو في بطن الحوت ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " .