أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (11)

شرح الكلمات :

{ الشر } : كل ما فيه ضرر في العقل أو الجسم أو المال والولد ، الخير عكسه : ما فيه نفع يعود على الجسم أو المال أو الولد .

{ لقضي إليهم أجلهم } : لهلكوا وماتوا .

{ فنذر } : أي نترك .

{ في طغيانهم يعمهون } : أي في ظلمهم وكفرهم يترددون لا يخرجون منه كالعميان .

المعنى :

هذه الفترة التي كانت تنزل فيها هذه السورة المكية كان المشركون في مكة في هيجان واضطراب كبيرين حتى إنهم يطالبون بنزول العذاب عليهم إذ ذكر تعالى ذلك عنهم في غير آية من كتابه منها { سأل سائل بعذاب واقع } ومنها { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } وفي هذا الشأن نزل قوله تعالى { ولو يعجِّل الله للناس الشر } أي عند سؤالهم إياه ، أو فعلهم ما يقتضيه كاستعجاله الخير لهم { لقضي إليهم أجلهم } أي لهلكوا الهلاك العام وانتهى أجلهم في هذه الحياة ، وقوله تعالى { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون } أي لم نعجل لهم العذاب فنذر الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يؤمنون بلقائنا وما عندنا من نعيم وجحيم نتركهم في طغيانهم في الكفر والظلم والشر والفساد يعمهون حيارى يترددون لا يعرفون مُتجهاً ولا مخرجاً لما هم فيه من الضلال والعمى . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 11 ) .

الهداية :

- مظاهر رحمة الله بعباده إذ لو عجل لهم ما يطلبون من العذاب كما يعجل لهم الخير عندما يطلبونه لأهلكم وقضى إليهم أجلهم فماتوا .

- يعصي الله العصاةُ ويكفر به الكافرون ويتركهم في باطلهم وشرهم فلا يعجل لهم العذاب لعلهم يرجعون .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (11)

ولما أشير في هذه الآية إلى تنزهه تعالى وعلوه وتفرده بنعوت الكمال ، ودل بختمها بالحمدِ على إحاطته وبرب العالمين على تمام قدرته وحسن تدبيره في ابتدائه{[37674]} وإعادته ، اتبعت بما يدل على ذلك من لطفه في معاملته من أنه لا يفعل شيئاً قبل أوانه لأن{[37675]} الاستعجال من سمات الاحتياج{[37676]} . بل وروى أبو يعلى وأحمد بن منيع عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " التأني من الله والعجلة من الشيطان " قال شيخنا ابن حجر : وفي الباب عن سهل وسعد رضي الله عنهما فقال تعالى عاطفاً على قوله { يدبر الأمر } ما معناه أنه تعالى يفعل فعل من ينظر في أدبار الأمور فلا يفعل إلاّ ما هو في غاية الإحكام ، فهو لا يعاجل العصاة بل يمهلهم ويسبغ عليهم النعم وهم في حال عصيانهم له أضل من النِّعم يطلبون خيراته ويستعجلونه بها : { ولو يعجل الله } أي المحيط بصفات الكمال { للناس } أي{[37677]} الذين اتخذوا القرآن عجباً لما لهم من صفة الاضطراب { الشر استعجالهم } أي عاملاً في إرادته لإيقاع الشر بهم مثل عملهم في إرادتهم وطلبهم العجلة { بالخير لقضي } أي حُتم وبت وأدى ، بناه للمفعول في قراءة الجماعة دلالة على هوانه عنده ، ولأن المحذور مجرد فراغه لا كونه من معين .

وبناه ابن عامر للفاعل ونصب الأجل { إليهم } أي الناس خاصة { أجلهم } أي عمرهم أو{[37678]} آخر لحظة تكون منه ، فأهلك من في الأرض فاختل النظام الذي دبره ، ولكنه لا يفعل إلاّ ما تقدم من إمهاله لهم إلى ما{[37679]} سمي من الآجال المتفاوتة . وذلك سبب إضلال من يريد ضلاله . ولعل التعبير بنون العظمة في { فنذر } إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ؛ فكان القياس هداهم لكثرة ما عليه من الدلائل الظاهرة ولكنه تعالى أراد ضلالهم وهو من العظمة بحيث لا يعجزه شيء . ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله { أولئك مأواهم النار } لأن معناه : أولئك يمهلهم الله إلى انقضاء ما ضرب لهم من الآجال مع مبالغتهم في{[37680]} الإعراض . ثم يكون مأواهم النار {[37681]}ولا يعجل لهم{[37682]} ما يستحقونه من الشر { ولو يعجل الله للناس الشر } أي ولو يريد عجلة الشر للناس إذا خالفوه أو إذا استعجلوه به في نحو قولهم{ فأمطر علينا حجارة من السماء }{[37683]}[ الأنفال : 32 ] ودعاء الإنسان على ولده وعبده ، مثل استعجالهم أي مثل إرادتهم تعجيل الخير . وعدل عن أن يقال : ولو يستعجل {[37684]}الله للناس الشر { استعجالهم بالخير } أي يعجل ، دفعاً لإيهام النقص بأن من يستعجل{[37685]} الشيء ربما يكون طالباً عجلته من غيره لعدم قدرته ، وتنبيهاً على أن الأمر ليس إلاّ بيده { لقضي إليهم أجلهم } فإنه إذا أراد شيئاً كان ولم يتخلف أصلاً .

ولما كان التقدير لأن " لو " امتناعية{[37686]} : ولكنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه لا يفوته شيء بل يمهل الظالمين ويدر لهم النعم ويضربهم بشيء من النقم حتى يقولوا : هذه عادة{[37687]} الدهر ، قد مس آباءنا الضراء والسراء ، سبب عنه قوله : { فنذر } أي على أيّ حالة كانت ، ووضع موضع الضمير تخصيصاً وتنبيهاً على ما أوجب لهم الإعراض والجرأة قوله : { الذين } وأشار بنفي الرجاء إلى نفي الخوف على الوجه{[37688]} الأبلغ فقال : { لا يرجون لقآءنا } أي{[37689]} بعد الموت بهذا الاستدراج على ما لنا من العظمة التي من أمنها كان أضل من الأنعام { في طغيانهم } أي تجاوزهم للحدود تجاوزاً لا يفعله من له أدنى روية { يعمهون } أي يحكم مشيئتنا السابقة في الأزل عمياً عن رؤية الآيات صماً عن سماع البينات ؛ والتعجيل : تقديم الشيء على وقته الذي هو أولى به ؛ والشر : ظهور ما فيه الضر ، وأصله الإظهار من قولهم : شررت الثوب - إذا أظهرته للشمس ، ومنه شرر النار -لظهوره بانتشاره ؛ والطغيان : الغلو في ظلم العباد ؛ والعمه ، شدةُ الحيرة .


[37674]:من ظ، وفي الأصل: إبدايه.
[37675]:في ظ: لا أن.
[37676]:من ظ، وفي الأصل: الاحتجاج.
[37677]:زيد من ظ.
[37678]:في ظ: أي.
[37679]:سقط من ظ.
[37680]:من ظ، وفي الأصل "و".
[37681]:في ظ: لا يعاجلهم.
[37682]:في ظ: لا يعاجلهم.
[37683]:زيد من ظ والقرآن الكريم سورة 8 آية 32.
[37684]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37685]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37686]:في ظ: امتناعه.
[37687]:سقط من ظ.
[37688]:في ظ: الأوجه.
[37689]:زيد من ظ.