أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (21)

شرح الكلمات :

{ اجترحوا السيئات } : أي اكتسبوا بجوارحهم الشرك والمعاصي .

{ سواء محياهم ومماتهم } : أي محياهم ومماتهم سواء لا ، المؤمنون في الجنة والمشركون في النار .

{ ساء ما يحكمون } : أي ساء حكماً حكمهم بالتساوي مع المؤمنين .

المعنى

لما ذكر تعالى في الآيات قبل هذه الظالمين والمتقين وجزاء كل منهم وأنه كان مختلفا باختلاف نفوس الظالمين والمتقين خبثا وطهراً ، ذكر هنا ما يقرر ذلك الحكم وهو اختلاف جزاء الظالمين والمتقين فقال : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أي اكتسبوها بجوارحهم ، والمراد بها الشرك والمعاصي أن نجعلهم كالذين آمنوا بالله ربا وإلهاً وبكل ما أمر تعالى بالإيمان به ، وعملوا الصالحات من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما إلى ذلك من الصالحات . سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ، أي ساء حكما حكمهم هذا ، ومعنى هذا أن الله تعالى أنكر على من يحسب هذا الحسبان ويظن هذا الظن الفاسد ، وهو أن يعيش الكافر والمؤمن في هذه الحياة الكافر يعيش على المعاصي والذنوب والمؤمن على الطاعة والحسنات ، ثم يموتون ولا يجزى الكافر على كفره والمؤمن على إيمانه ، وأسوأ من هذا الظن ظن آخر كان ليعضهم وهو أنهم إذا ماتوا يكرمون وينعم عليهم بخير ما يكرم به المؤمنون وينعم به عليهم . وهذا غرور عجيب ، فأنكر تعالى عليهم هذا الظن الباطل وحكم أنه لا يسوي بين بر وفاجر ، ولا بين مؤمن وكافر ؛ لأن ذلك مناف للعدل والحق ، والله خلق السموات والأرض بالحق ، وأنزل الشرائع وأرسل الرسل ليعمل الناس في هذه الحياة الدنيا ، فمن آمن وعمل صالحاً كانت الحسنى له جزاء ، ومن كفر وعمل سوءاً كانت جهنم جزاءه ، وهو معنى قوله تعالى : { وخلق الله السموات والأرض بالحق ، ولتجزى كل نفس بما كسبت } .

الهداية

من الهداية

- بطلان اعتقاد الكافرين في أن الناس يحيون ويموتون بلا جزاء على الكسب صالحه وفاسده .

- تقرير البعث والجزاء .

- موعظة كبيرة في هذه الآية أم حسب الذين اجترحوا السيئات إلى آخرها حتى إن أحد رجال السلف الصالح قام يتهجد من الليل فقرأ حتى انتهى إلى هذه الآية فأخذ يرددها ويبكى حتى طلع الفجر .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (21)

ثم فرقت السورة الكريمة بين حال الذين يجترحون السيئات ، وحال الذين يعملون الصالحات ، وحكت جانبا من أقوال المشركين ، وردت عليهم بما يبطلها ، فقال - تعالى - : { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا . . . أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } .

و { أَمْ } في قوله - تعالى - : { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات } منقطعة ، وتقدر ببل والهمزة ، وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني ، والهمزة لإِنكار الحسبان .

والاجتراح : الاكتساب ، ومنه الجارحة للأعضاء التي يكتسب بها كالأيدي . ويقال : فلان جارحة أهله ، أي : هو الذي يكتسب لهم أرزاقهم .

وحسب : فعل ماض ، والذين فاعله ، وجملة { أَن نَّجْعَلَهُمْ } ساد مسد المفعولين .

والمعنى : بل أحسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصي ، أن نجعلهم متساوين مع الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات في دار الدنيا أو في الدار الآخرة ؟

كلا ! ! لا يستوون فيهما ، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون في الدنيا حياة طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإِحن ببركة إيمانهم ، وفي الآخرة ينالون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه .

أما الذين اجترحوا السيئات فهم في شقاء في الدنيا وفي الآخرة .

قال الشوكاني قرأ الجمهور { سواء } بالرفع على أنه خبر مقدم . والمبتدأ محياهم ومماتهم . والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء .

وقرأ حمزة والكسائي وحفص { سواء } بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله : { كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أو على أنه معفول ثان لحسب .

وقوله : { سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي بئس حكما حكمهم الذي زعموا فيها تسويتنا بين الذين اجترحوا السيئات ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات .

فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، توبيخهم على أحكامهم الباطلة ، وأفكارهم الفاسدة .

قال الآلوسي : قوله : { سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي : ساء حكمهم هذا ، وهو الحكم بالتساوي ، فما مصدرية ، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود .

ويجوز أن يكون لإِنشاء ذمهم على أن { سَآءَ } بمعنى بئس ، فتكون كلمة { مَا } نكرة موصوفة ، وقعت تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أي : بئس شيئا حكموا به ذلك .