{ لا تحلوا شعائر الله } قيل : هي مناسك الحج ، كان المشركون يحجون ويعتمرون ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فقيل لهم : لا تحلوا شعائر الله : أي : لا تغيروا عليهم ولا تصدوهم وقيل : هي الحرم ، وإحلاله الصيد فيه ، وقيل : هي ما يحرم على الحاج من النساء والطيب والصيد وغير ذلك ، وإحلاله فعله .
{ ولا الشهر الحرام } قيل : هو جنس الأشهر الحرام الأربعة ، وهي رجب وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وقيل : أشهر الحج ، وهي : شوال ، وذو القعدة وذو الحجة ، وإحلالها هو القتال فيها وتغيير حالها .
{ ولا الهدي } هو ما يهدي إلى البيت الحرام من الأنعام ويذبح تقربا إلى الله فنهى الله أن يستحل بأن يغار عليه أو يصد عن البيت { ولا القلائد } قيل : هي التي تعلق في أعناق الهدي ، فنهى عن التعرض لها ، وقيل : أراد ذوات القلائد من الهدي وهي البدن وجددها بالذكر بعد دخولها في الهدى اهتماما بها وتأكيدا لأمرها .
{ ولا آمين البيت الحرام } أي : قاصدين إلى البيت لحج أو عمرة ونهى الله عن الإغارة عليهم أو صدهم عن البيت ونزلت الآية على ما قال السهيلي بسبب الحكم البكري واسمه شريح بن ضبيعة " أخذته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقصد إلى الكعبة ليعتمر " ، وهذا النهي عن إحلال هذه الأشياء : عام في المسلمين والمشركين ، ثم نسخ النهي عن قتال المشركين بقوله :{ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }[ التوبة :5 ] ، وبقوله :{ فلا يقربوا المسجد الحرام }[ التوبة :28 ] ، وبقوله :{ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله }[ التوبة :17 ] .
{ يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } الفضل : الربح في التجارة ، والرضوان : الرحمة في الدنيا والآخرة { وإذا حللتم فاصطادوا } أي : إذا حللتم من إحرامكم بالحج فاصطادوا إن شئتم ، فالأمر هنا إباحة بإجماع .
{ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } معنى { لا يجرمنكم } لا يكسبنكم ، يقال : جرم فلان وفلانا هذا الأمر إذا أكسبه إياه وحمله عليه ، والشنآن : هو البغض والحقد ، ويقال : بفتح النون وإسكانها ، و{ أن صدوكم } : مفعول من أجله ، و{ أن تعتدوا } : مفعول ثان ليجرمنكم ، ومعنى الآية : لا تحملنكم عداوة قوم على أن تعتدوا عليهم من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام ، ونزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل لأنهم كانوا قد صدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فنهاهم الله عن قتلهم ، لأن الله علم أنهم يؤمنون .
{ وتعاونوا على البر والتقوى } وصية عامة ، والفرق بين البر والتقوى أن البر عام في فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات ، وفي كل ما يقرب إلى الله . والتقوى في الواجبات وترك المحرمات دون فعل المندوبات فالبر أعم من التقوى .
{ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } الفرق بينهما أن الإثم كل ذنب بين العبد وبين الله أو بينه وبين الناس ، والعدوان على الناس .
ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه ، ولما كان منه ما نهى عن التعرض له لا مطلقاً ، بل ما يبلغ محله ، بدأ به لكونه في ذلك كالصيد ، وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج المنبه عليه بالإحرام ، أو عن كل محرم في كل مكان وزمان ، فقال مكرراً{[24157]} لندائهم تنويهاً بشأنهم وتنبيهاً لعزائمهم وتذكيراً لهم بما ألزموه أنفسهم : { يا أيها الذين آمنوا } أي دخلوا في هذا الدين طائعين { لا تحلوا شعائر الله } أي معالم حج بيت الملك الأعظم الحرام ، أو حدوده في جميع الدين ، وشعائر الحج أدخل في ذلك ، والاصطياد أولاها .
ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقاً ، أتبعه{[24158]} ما عممه{[24159]} في الزمان فقال : { ولا الشهر الحرام } أي فإن ذلك لم يزل معاقداً على احترامه في الجاهلية والإسلام ، ولعله وحده والمراد الجمع{[24160]} إشارة إلى أن الأشهر الحرم كلها في الحرمة{[24161]} سواء .
ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما يهدى للحرم فقال : { ولا الهدي } وخص منه أشرفه فقال : { ولا القلائد } أي صاحب القلائد من الهدي ، وعبر بها مبالغة في تحريمه ؛ ولما أكد في احترام ما قصد به الحرم من البهائم رقّى{[24162]} الخطاب إلى من قصده من العقلاء ، فإنه مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت الحرام حامٍ له وزاجر عنه ، مع{[24163]} ما زاد به من شرف العقل فقال : { ولا آمين } أي ولا تحلوا التعرض لناس قاصدين { البيت الحرام } لأن من قصد بيت الملك كان محترماً باحترام ما قصده .
ولما كان المراد القصد بالزيارة بينه بقوله : { يبتغون } أي حال كونهم يطلبون على سبيل الاجتهاد { فضلاً من ربهم } أي المحسن إليهم شكراً لإحسانه ، بأن يثيبهم على ذلك ، لأن ثوابه لا يكون على{[24164]} وجه الاستحقاق الحقيقي أصلاً ؛ ولما كان الثواب قد يكون مع السخط قال : { ورضواناً } وهذا ظاهر في المسلم ، ويجوز أن يراد به أيضاً الكافر ، لأن قصده البيت الحرام{[24165]} على هذا الوجه يرق قلبه{[24166]} فيهيئه للإسلام ، وعلى هذا فهي منسوخة .
ولما كان التقدير : فإن لم يكونوا كذلك{[24167]} . أي في أصل{[24168]} القصد{[24169]} ولا في وصفه - فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرماً ، والصيد حلال لكم ، عطف عليه التصريح بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام فقال{[24170]} : { وإذا حللتم } أي من الإحرام بقضاء المناسك والإحصار { فاصطادوا } وترك الشهر الحرام{[24171]} إذ{[24172]} كان الحرام فيه حراماً في غيره ، وإنما صرح به تنويهاً بقدره وتعظيماً لحرمته ، ثم أكد تحريم{[24173]} قاصد المسجد الحرام وإن كان كافراً ، وإن كان على سبيل المجازات بقوله : { ولا يجرمنكم } أي يحملنكم { شنئان قوم } أي شدة بغضهم .
ولما ذكر البغض أتبعه سببه فقال : { إن } على سبيل الاشتراط الذي يفهم تعبير الحكم{[24174]} به أنه سيقع ، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو{[24175]} ، والتقدير في قراءة الباقين بالفتح : لأجل أن { صدوكم } أي في عام الحديبية أو غيره { عن المسجد الحرام } أي على { أن تعتدوا } أي يشتد عدوكم عليهم بأن تصدوهم عنه{[24176]} أو بغير ذلك ، فإن المسلم من لم يزده تعدي عدوه فيه حدود الشرع إلا وقوفاً عند حدوده ، وهذا قبل نزول
( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام{[24177]} }[ التوبة : 28 ] سنة تسع .
ولما نهاهم عن ذلك ، وكان الانتهاء عن الحظوظ{[24178]} شديداً على النفوس ، وكان لذلك لا بد في الغالب من منتهٍ وآبٍ ، أمر بالتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال : { وتعاونوا على البر } وهو ما اتسع وطاب من حلال الخير { والتقوى } وهي كل ما يحمل على الخوف من الله ، فإنه الحامل على البر ، فإن كان{[24179]} منكم من اعتدى فتعاونوا على رده ، وإلا فازدادوا بالمعاونة خيراً .
ولما كان المعين على الخير قد يعين على الشر قال تنبيهاً على الملازمة في{[24180]} المعاونة على الخير ، ناهياً أن يغضب الإنسان لغضب أحد من صديق أو قريب إلا إذا كان الغضب له داعياً إلى بر وتقوى : { ولا تعاونوا على الإثم } أي الذنب الذي{[24181]} يستلزم الضيق { والعدوان } أي المبالغة في مجاوزة الحدود والانتقام والتشفي وغير ذلك وكرر{[24182]} الأمر بالتقوى إشارة إلى أنها الحاملة على كل خير فقال : { واتقوا الله } أي الذي له صفات الكمال لذاته فلا تتعدوا{[24183]} شيئاً من حدوده ؛ ولما كان كف النفس عن الانتقام وزجرها عن شفاء داء الغيظ وتبريد غلة الاحن في غاية العسر ، ختم الآية بقوله : { إن الله } أي الملك الأعظم { شديد العقاب } .