{ ولا تنفع الشفاعة عنده } تعالى{ إلا لمن } أي لشافع{ أذن له } من النبيين والملائكة – ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة عنده – في الشفاعة لمن يستحقها . وظاهر أن الكفار لا يستحقونها ، وأن الأصنام ليست أهلا لها ؛ ونظيره قوله تعالى : " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " {[283]} ، وقوله تعالى : " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " {[284]} . وهو تكذيب لقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله : { حتى إذا فزع عن قلوبهم } أي كشف عنها الفزع . والتضعيف هنا للسلب ؛ كما في : قردت البعير : إذا أزلت قراده . ومنه التمريض . والفزع : انقباض ونفار يعترى الإنسان من الشيء المخيف . و " حتى " غاية لما فهم مما قبلها من أن ثم انتظارا وترقبا من الراجين للشفاعة والشفعاء ، هل يؤذن لهم أولا يؤذن لهم ، والكل في فزع وخوف في ذلك الموقف الرهيب . فكأنه قيل : يتربصون ويتوقفون مليا فزعين ، حتى إذا كشف الفزع وأزيل عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة من رب العزة في إطلاق الإذن ، تباشروا بذلك فسأل بعضهم بعضا : { ماذا قال ربكم قالوا الحق } أي القول الحق ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى .
{ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } المعنى لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أذن الله له أن يشفع فإنه لا يشفع أحد إلا بإذنه ، وقيل : المعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الله أن يشفع فيه ، والمعنى : أن الشفاعة على كل وجه لا تكون إلا بإذن الله ، ففي ذلك رد على المشركين الذين كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله .
{ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم } تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية في الملائكة عليهم السلام فإنهم إذا سمعوا الوحي إلى جبريل يفزعون لذلك فزعا عظيما ، فإذا زال الفزع عن قلوبهم قال بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم فيقولون قال الحق ، ومعنى { فزع عن قلوبهم } زال عنها الفزع والضمير في قلوبهم وفي قالوا للملائكة ، فإن قيل : كيف ذلك ولم يتقدم لهم ذكر يعود الضمير عليه ؟ فالجواب أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين ، فعاد الضمير على الشفعاء الذين دل عليهم لفظ الشفاعة ، فإن قيل : بم اتصل قوله : { حتى إذا فزع عن قلوبهم } ولأي شيء وقعت حتى غائية ؟ فالجواب أنه اتصل بما فهم من الكلام من أن ثم انتظارا للإذن ، وفزعا وتوقفا حتى يزول الفزع بالإذن في الشفاعة ، ويقرب هذا في المعنى من قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن } [ النبأ : 38 ] ولم يفهم بعض الناس اتصال هذه الآية بما قبلها فاضطربوا فيها حتى قال بعضهم : هي في الكفار بعد الموت ، ومعنى { فزع عن قلوبهم } رأوا الحقيقة ، فقيل لهم : ماذا قال ربكم ؟ فيقولون : قال الحق فيقرون حين لا ينفعهم الإقرار ، والصحيح أنها في الملائكة لورود ذلك في الحديث ، ولأن القصد الرد على الكفار ، الذين عبدوا الملائكة ، فذكر شدة خوف الملائكة من الله وتعظيمهم له .
ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة ، وكان المقصود{[56798]} منها أثرها لا عينها ، نفاه بقوله : { ولا تنفع } أي في أيّ{[56799]} وقت من الأوقات { الشفاعة عنده } أي بوجه من الوجوه بشيء من الأشياء { إلا لمن } ولما كانت كثافة الحجاب {[56800]}أعظم في الهيبة ، وكان البناء للمجهول أدل على كثافة الحجاب{[56801]} ، قال في قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي{[56802]} بجعل المصدر عمدة الكلام وإسناد الفعل إليه : { أذن له } أي وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة أو أكثر في أن يشفع في غيره أو في{[56803]} أن يشفع فيه{[56804]} غيره ، وقراءة الباقين بالبناء{[56805]} للفاعل تدل على العظمة من وجه آخر ، وهو أنه لا افتيات{[56806]} عليه بوجه من أحد ما ، بل لابد{[56807]} أن ينص هو سبحانه على الإذن ، وإلا فلا استطاعة عليه أصلاً .
ولما كان من المعلوم أن الموقوفين{[56808]} في محل خطر للعرض على ملك مرهوب متى نودي باسم أحد منهم فقيل {[56809]}أين فلان{[56810]} ينخلع قلبه وربما أغمي عليه ، فلذلك{[56811]} كان من المعلوم مما مضى أنه متى برز النداء من قبله تعالى في ذلك المقام الذي ترى فيه كل أمة جاثية يغشى على الشافعين والمشفوع لهم ، فلذلك حسن كل الحسن قوله تعالى : { حتّى } وهو غاية لنحو أن يقال : فإذا أذن له وقع الصعق لجلاله وكبريائه وكماله حتى { إذا فزع } أي أزيل الفزع بأيسر أمر وأهون سعي من أمره سبحانه - هذا في قراءة الجماعة بالبناء للمجهول ، وأزال هو سبحانه الفزع في قراءة ابن عامر ويعقوب{[56812]} ، إشارة إلى أنه لا يخرج عن أمره شيء { عن قلوبهم } أي الشافعين والمشفوع لهم ، فإن " فعّل " يأتي للإزالة كقذّيت عينه - إذا{[56813]} أزلت عنها القذى { قالوا } أي قال بعضهم لبعض : { ماذا قال ربكم } ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن لذلك قلوبهم .
ولما كان ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولاً ثم بدا له فرجع عنه ، أو عارضه{[56814]} فيه شخص من أعيان جنده فينتقض ، أخبر أن الملك الديان ليس كذلك فقال : { قالوا الحق } أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل ، بل يطابقه الواقع فلا يكون شيء يخالفه { وهو العلي } أي فلا رتبة إلا دون رتبته سبحانه وتعالى ، فلا يقول غير الحق من نقص علم { الكبير * } أي الذي لا كبير غيره فيعارضه في شيء من حكم ؛ روى البخاري في التفسير{[56815]} عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال{[56816]} : " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها{[56817]} خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان { فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا } - للذي قال - { الحق وهو العلي الكبير } فيسمعها{[56818]} مسترق السمع ، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض – و{[56819]} وصفه سفيان بكفه فحرفها{[56820]} وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن ، فربما{[56821]} أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة{[56822]} فيقال : أليس قد{[56823]} قال لنا يوم{[56824]} كذا وكذا كذا وكذا ، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " وقال في التوحيد : وقال مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنهما : " وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات{[56825]} فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا{[56826]} أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق " وروى هذا الحديث العيسي في جزئه عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه ، قال : كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون فيه الوحي ، وفيه : فلا ينزل على سماء إلا صفقوا ، وفي آخره : ثم يقال : يكون العام كذا ويكون العام كذا ، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا ، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم دحروا ، فقالت العرب : هلك من في السماء ، فذكر ذبح العرب لأموالهم من الإبل وغيرها ، حتى نهتهم ثقيف ، واستدلوا بثبات معلم النجوم ، ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى عرف أن الحدث من مكة{[56827]} .