صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

{ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } أقسم لنا في الدنيا ما يحسن من نعمة وطاعة ، وعافية وتوفيق .

{ وفي الآخرة } المثوبة الحسنى ، أو المغفرة والرحمة ، أو الجنة . { إنا هدنا إليك }تعليل لطلب الحسنة في الدارين ، أي لأننا تبنا إليك من المعاصي التي جئناك للاعتذار منها . . . يقال : هاد يهود ، إذا رجع وتاب . { قال عذابي أصيب به . . . }جواب من الله تعالى لنبيه موسى بإجابة سؤله بقبول توبة قومه . وحاصله- كما قال الآلوسي- : إن عذابي الذي تخشى أن يصيب قومك أصيب به من أشاء ، فلا يتعين قومك لأن يكونوا غرضا له بعد توبتهم { ورحمتي وسعت كل شيء }فلا تضيق عن قومك . كيف- وقد تابوا ووفدوا إلي- أردهم خائبين ، بل إني سأرحمهم ، وأكتب الحظ الأوفر من رحمتي لأخلافهم وذراريهم الذين يأتون من بعدهم ، ويتصفون بما يرضيني ويقومون بما آمرهم به ، وهم من أدركوا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، واتبعوه إيمانا به وبما جاء من نعوته في التوراة والإنجيل ، فيكونن ممن آمن بالكتابين ، وأفلح في الدارين . ووصف أخلافهم بما وصفوا به لاستنهاض همم بني إسرائيل إلى الثبات على التوبة ، وما يوجب الفلاح من الطاعة . والقصر المستفاد من الجملة قصر نسبي ، أي فسأجعلها خاصة بهؤلاء دون من بقى منهم على دينه ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حين بعثته .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

{ إنا هدنا إليك } أي : تبنا وهذا الكلام الذي قاله موسى عليه السلام إنما هو استعطاف ورغبة إلى الله وتضرع إليه ولا يقتضي شيئا مما توهم الجهال فيه من الجفاء في قوله : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } لأنا قد بينا أنه إنما قال ذلك استعطافا لله وبراءة من فعل السفهاء .

{ قال عذابي أصيب به من أشاء } قيل : الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة ، والصحيح أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم وقرئ من أساء . بالسين وفتح الهمزة من الإساءة ، وأنكرها بعض المقرئين وقال إنها تصحيف .

{ ورحمتي وسعت كل شيء } يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا فيكون خصوصا في الرحمة وعموما في كل شيء لأن المؤمن والكافر ، والمطيع والعاصي : تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا ، ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة فيكون خصوصا في كل شيء ، لأن الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين ، ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق ، فيكون عموما في الرحمة ، وفي كل شيء .

{ فسأكتبها للذين يتقون } إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة فهي بلا شك مختصة بهؤلاء الذين كتب بها الله لهم وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن كانت رحمة الدنيا ، فهي أيضا مختصة بهم لأن الله نصرهم على جميع الأمم وأعلا دينهم على جميع الأديان ومكن لهم في الأرض ما لم يمكن لغيرهم وإن كانت على الإطلاق : فكقوله : { سأكتبها } تخصيص للإطلاق .

{ والذين هم بآياتنا يؤمنون } أي : يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء ، وليس ذلك لغير هذه الأمة .