تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ} (14)

الآيات 12 -14 وقوله تعالى : { يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه } { وصاحبته وأخيه } { وفصيلته التي تؤويه } { ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه } ففي هذا أن يستقبلهم في ذلك اليوم هول وفزع لم يكن بمثله عهد في الدنيا ، ولا كان خطر ببالهم ذلك ، لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ببنيه وصاحبته وأخيه وأقربائه وجميع من في الأرض .

فيكون فيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم ليحمل الناس على الإنابة إلى الله تعالى والانتهاء{[22040]} عما هم عليه .

ثم بدأ بذكر البنين والأقربين ، وانتهى بالأبعدين ، وحق هذا أن يبدأ بالأبعدين ، ثم يختم بذكر الأقربين{[22041]} ، لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين . ويضن {[22042]}ببذل الأقربين فداء .

فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق وإذا كان كذلك فغايته التهويل والتفزيع : أن يبدأ بذكر الأقارب ، فكيف يبدأ بذكر الأقربين ؟ فجوابه من وجهين :

أحدهما : أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض ، إذا كان عليهم ملك ، وكانوا بأجمعهم له . وإذا كانوا جميعا له ملكا كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة ، أو أكثر ، فكما يضن {[22043]}ببذل أولاده ، وأن يكونوا عنه فداء ، فكذلك يضن {[22044]} بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له . فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين ، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع والله اعلم .

[ والثاني ] {[22045]} جائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى ولكنه ذكر الآحاد ثم ذكر الجماعة ليعلموا ألاّ ينفعهم الفداء في ذلك اليوم ، وأن الذين [ لو ] {[22046]}ودوا الفداء ليتخلصوا من عذاب الله تعالى ، لاشتد {[22047]}عليهم ما فدوا ، وإن كان ذلك ملء الأرض ، والله أعلم .


[22040]:في الأصل وم: وانتهاء.
[22041]:في الأصل وم: الأبعدين.
[22042]:في الأصل وم: ويظن.
[22043]:في الأصل يظن.
[22044]:في الأصل وم: يظن.
[22045]:في الأصل وم: و.
[22046]:ساقطة من الأصل وم.
[22047]:في الأصل وم: لا يشتد.