الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (60)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

" وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ": وإذ استسقانا موسى لقومه: أي سألنا أن نسقي قومه ماء. فترك ذكر المسؤول ذلك، والمعنى الذي سأل موسى، إذ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما ترك. وكذلك قوله: "فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنا "مما استغني بدلالة الظاهر على المتروك منه. وذلك أن معنى الكلام، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر، فضربه فانفجرت. فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه. وكذلك قوله: "قَدْ عَلِمَ كُلّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ" إنما معناه: قد علم كل أناس منهم مشربهم، فترك ذكر (منهم) لدلالة الكلام عليه. وقد دللنا فيما مضى على أن الناس جمع لا واحد له من لفظه، وأن الإنسان لو جمع على لفظه لقيل: أناسيّ وأناسية. وقوم موسى هم بنو إسرائيل الذين قصّ الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات، وإنما استسقى لهم ربه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه.

" قَدْ عَلِمَ كُلّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ": فإنما أخبر الله عنهم بذلك، لأن معناهم في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق عن ذكره ما ترك ذكره. وذلك أن تأويل الكلام: فَقُلْنَا اضْرِبْ بعَصَاكَ الحَجَرَ فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، قد علم كل أناس مشربهم، فقيل لهم: "كلوا واشربوا من رزق الله"؛ أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المنّ والسلوى، وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور الذي لا قرار له في الأرض ولا سبيل إليه لمالكيه يتدفق بعيون الماء ويزخر بينابيع العذب الفرات بقدرة ذي الجلال والإِكرام، ثم تقدم جل ذكره إليهم مع إباحتهم ما أباح وإنعامه عليهم بما أنعم به عليهم من العيش الهنيء، بالنهي عن السعي في الأرض فسادا والعثا فيها استكبارا فقال جل ثناؤه لهم: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين".

{ولا تعثوا في الأرض مفسدين}: يعني بقوله لا تعثوا: لا تطغوا ولا تسعوا في الأرض مفسدين... وأصل العثا: شدة الإفساد، بل هو أشد الإفساد، يقال منه عثى فلان في الأرض إذا تجاوز في الإفساد إلى غايته.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{فَقُلْنَا اضْرِب بعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَا}... والانفجارُ: الانشقاق، والانبجاسُ أضيق منه، لأنه يكون انبجاساً ثم يصير انفجاراً. والعين من الأسماء المشتركة: فالعين من الماء مُشَبَّهَةٌ بالعين من الحيوان، لخروج الماء منها، كخروج الدمع من عين الحيوان. فأمر موسى عند استسقائه، أن يضرب بعصاه حجراً... فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً...

{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} يعني أن لكلِّ سبطٍ منهم عيناً، قد عرفها لا يشرب من غيرها، فإذا ارتحلوا انقطع ماؤه...

{وَلاَ تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ} فيه تأويلان:

أحدهما: معناه لا تطغوا.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... عطشوا في التيه، فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له: {اضرب بّعَصَاكَ الحجر} واللام... للجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر. وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة...

والعثيّ: أشدّ الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح. وقد استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به، فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد، فأنَّى نسقى، لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا) الحديث...

[و] سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى... والخطبة والصلاة، وبهذا قال جمهور العلماء

قلت: ما أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم يخرج الماء من بين لحم ودم. روى الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات عن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء فأتي بتَوْرٍ، فأدخل يده فيه فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول: (حي على الطهور) قال الأعمش: فحدثني سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال ألفا وخمسمائة. لفظ النسائي.

قوله تعالى:"كلوا واشربوا من رزق الله" في الكلام حذف تقديره، وقلنا لهم كلوا المن والسلوى واشربوا الماء المتفجر من الحجر المنفصل...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

هذا بيان لحال آخر من أحوال بني إسرائيل في هجرتهم وعناية الله تعالى بهم فيها. أصابهم الظمأ فعادوا على موسى باللائمة أن أخرجهم من أرض مصر الخصبة المتدفقة بالأمواه، وكانوا عند كل ضيق يمنون عليه أن خرجوا معه من مصر ويجهرون بالندم. فاستغاث موسى بربه واستسقاه لقومه كما قصه الله تعالى علينا بقوله {وإذ استسقى موسى لقومه} أي طلب السقيا لهم من الله تعالى {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} قال الأستاذ الإمام: أمره أن يضرب بعصاه حجرا من حجارة تلك الصحراء بتلك العصا التي ضرب بها البحر فضربه {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} بعدد أسباطهم وذلك قوله عز وجل {قد علم كل أناس مشربهم}.

(قال) وكون هذا الحجر هو الذي روي أنه تدحرج بثوب موسى يوم كان يغتسل كما قال المفسر (الجلال) لا دليل عليه، وقصة الثوب ليست في القرآن فيحمل تعريف الحجر على أنه المعهود في القصة، وإنما يفهم التعريف أن الحجر الذي ضرب فتفجرت منه المياه حجر مخصوص له صفات تميزه عندهم ككونه صلبا أو عظيما تتسع مساحته لتلك العيون ويصلح أن تكون منه موارد لتلك الأمم [أو كونه يقع تحت أعينهم منفردا عن غيره ليس في محلتهم سواه، وقد يكون التعريف للدلالة على الجنس ليفيدنا بُعد المرغوب عن التناول، وعظمة القدرة الإلهية وأثرها الجليل في تقريبه وتحصيله] ...

... ولو علم الله تعالى أن لنا فائدة في أكثر مما دل عليه هذا الخطاب من التعيين لما تركه.

ثم أراد أن يصور حال بني إسرائيل في هذه النعمة واغتباطهم بما منحهم من العيش الرغد في مهاجرهم فقال {كلوا واشربوا من رزق الله} فعبر عن الحال الماضية بالأمر ليستحضر سامع الخطاب أولئك القوم في ذهنه ويتصور اغتباطهم بما هم فيه حتى كأنهم حاضرون والآن والخطاب يوجه إليهم. وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن التي لا تجارى ولا تمارى ثم قال {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي لا تنشروا فسادكم في الأرض وتكونوا في الشرور قدوة سيئة للناس. يقال عثا إذا نشر الشر والفساد وأثار الخبث فهو أخص من مطلق الإفساد ولذلك مع كون "مفسدين "حالا من ضمير "تعثوا".

قال الأستاذ الإمام: إن كثيرا من أعداء القرآن يأخذون عليه عدم الترتيب في القصص ويقولون هنا إن الاستسقاء وضرب الحجر كان قبل التيه وقبل الأمر بدخول تلك القرية فذكرها هنا بعد تلك الوقائع. والجواب عن هذه الشبهة يفهم مما قلناه مرارا في قصص الأنبياء والأمم الواردة في القرآن. وهو أنه لم يقصد بها التاريخ وسرد الوقائع مرتبة بحسب أزمنة وقوعها وإنما المراد بها الاعتبار والعظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها. وبيان النقم بعللها لتتقى من جهتها. ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير وأدعى إلى التأثير.

إن الباحثين في التاريخ لهذا العهد قد رجعوا إلى هذا الأسلوب في التقديم والتأخير وقالوا ستأتي أيام يستحيل فيها ترتيب الحوادث والقصص بحسب تواريخها لطول الزمن وكثرة النقل مع حاجة الحاضرين. وقالوا إن الطريق إلى ذلك هو أن ننظر في كل حادثة من حوادث الكون كالثورات والحروب وغيرها ونبين أسبابها ونتائجها من غير تفصيل ولا تحديد لجزئيات الوقائع بالتاريخ، فإن ترتيب الوقائع هو من الزينة في وضع التأليف فلا يتوقف عليه الاعتبار، بل ربما يصد عنه بما يكلف الذهن من ملاحظته وحظه – هذا ضرب من ضروب الإصلاح العلمي جاء به القرآن وأيده سير الاجتماع في الإنسان.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

كان بنو إسرائيل يعيشون مع موسى عليه السلام في معجزات حسية مستمرة، ولو كانت قوة الدليل وحسيته سببا للإيمان لكان بنو إسرائيل أشد الناس إيمانا وأقواهم يقينا، ولكن الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلوب الأتقياء فيدركون الحق، ويذعنون له، ويطمئنون إليه. وقد أرانا الله تعالى آياته في بني إسرائيل، فكلما أتاهم بدليل وكلما أتتهم آية كفروا بها، فلو كانوا يذعنون للحق لأذعنوا لبعض هذه الآيات، ولكنهم قوم معاندون، مناقضون الحس.

شكوا إلى موسى أنهم لا يجدون الماء الذي يشربونه فاتجه موسى إلى ربه ضارعا يطلب الماء، ولذا قال تعالى: {وإذ استسقى موسى لقومه}.

وإذ – كما ذكرنا – دالة على الوقت، والمعنى اذكروا ذلك الوقت الذي استسقى فيه موسى لكم، تذكروا عطشكم في ذلك الوقت، وكيف استسقى موسى ربه لأجلكم، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يضرب بعصاه الحجر، فضرب، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، هي بقدر عدد الأسباط أولاد يعقوب عليه السلام، وذريتهم من بعدهم، اذكروا ذلك وتذكروه، فإنه معجزة من الله تعالى. فكان لكل سبط عينه، يشرب منها هو ومن معه من سبطه لكيلا يتزاحم على الماء، فينال الماء القوي، ويضيع الضعيف، واستسقى؛ السين والتاء للطلب، أو السؤال، والاستسقاء الضراعة إلى الله تعالى أن ينزل الماء، فهذا الاستسقاء عبادة لأنه دعاء الله تعالى ضارعا إليه أن ينزل عليه الماء، والدعاء المتضرع عبادة، في ذاته، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جف المطر، وأجدبت الأرض استسقى.. فقد خرج إلى المصلى متواضعا، متذللا متوسلا متضرعا ودعا ربه أن يسقى المطر، فنزل مدرارا، حتى خشي الناس أن يضر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا، ولا علينا) 146.

ولما استسقى موسى عليه السلام لم ينزل عليه مطر، ولكن قال له ربه: {اضرب بعصاك الحجر} والعصا هي آية الله تعالى، ومعجزة موسى التي انقلبت حية تسعى، والتي بها ضرب البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، ضرب بها الحجر، ولم يكن حجرا معينا له صفات ذاتية، بل إنه للعهد الذهني الذي ينطبق عليه اسم الحجر، كما تقول ادخل السوق، فالمراد أي شيء ينطبق عليه اسم السوق، ضرب موسى عليه السلام الحجر {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} انفجرت: انشقت، وخرجت من الحجر اثنتا عشرة عينا، والعين هي الموضع الذي يخرج منه كعين زمزم، فماء العيون لا يكون من السماء كالمطر، ولكن يكون من الأرض، أو الحجر، كما رأينا ما فعلته عصا موسى عليه السلام؛ وهنا ثلاث معجزات خارقة للعادة:

الأولى: ضرب الحجر بالعصا، فينبثق منه الماء، وهذه معجزة العصا.

والثانية: أن الضرب في الحجر الذي لا يخرج منه الماء عادة، ولا يعلم أن الماء ينبع من الأحجار، ولكن من الأرض اللينة التي لا تكون حجرا متماسكا، وقد يخرج ماء العيون من الجبال ولكن يكون من شقوق يخرج منها لا من ذات الحجر، أما الذي يخرج من ذات الحجر فإنه خاص بمعجزة موسى عليه السلام.

الثالثة كون الماء يخرج اثنتا عشرة عينا على قدر عدد الأسباط، و {قد علم كل أناس مشربهم} أي مكان شربهم، أي العين التي خصصت لهم، وقد كان الحجر الذي ضربه موسى عليه السلام بعصاه مكعبا له أربعة جوانب ظاهرة على الأرض، فكان في كل جانب قد انبثق فيه ثلاث عيون، فيكون عددها في كل اثنتا عشرة عينا، وعلم كل أناس العين التي يشربون منها، فكان لكل سبط منهم ثلاث عيون.

وإن هذا التوزيع بينهم لا يفرق، ولكنه يجمعهم، فالعدل يجمع ولا يفرق، وفوق ذلك فيه تسهيل للتناول فلا يتزاحمون ولا يتنازعون ولا يضيع الضعيف بينهم.

وقد بين الله تعالى أن الماء مباح لهم، كما أبيح لهم الطعام؛ ولذا قال تعالى: {كلوا واشربوا} أي أنه أبيح لهم الأكل من المن والسلوى، كما ذكرنا آنفا، أو أبيح لهم أن يأكلوا من ثمرات هذا الماء الذي يجيء إليهم من هذه العيون التي تفيض في الأرض غير مقطوعة، ولا ممنوعة.

وإن النعمة إذا كثرت على أمثال بني إسرائيل كانت مظنة الفساد، ولذا قال تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين (60)} العثو، من عثى يعثى بمعنى أفسد، أو بمعنى أضاع كل ما فيه من خير، فاعتدى على حق غيره، فيعثون يشمل كل فعل يؤدي إلى الاضطراب والإفزاع ومنع الخير، ويتقارب من معنى العبث، ويكون قوله تعالى: {مفسدين} ليس تكرارا للفظ لا تعثوا أو تأكيدا، إنما هو لبيان العثو، وهو القصد إلى الإفساد، فمفسدين معناها قاصدين إلى الإفساد.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (60)

{ استسقى } طلب السقيا لما عطشوا في التيه .

{ الحجر } كان مربعا ذراعا في ذراع : تفجر من كل جهة ثلاث عيون . وروي أن آدم كان أهبطه من الجنة ، وقيل : هو جنس غير معين ، وذلك أبلغ في الإعجاز .

{ فانفجرت } قبله محذوف تقديره : فضربه فانفجرت .

{ مشربهم } أي : موضع شربهم وكانوا اثني عشر سبطا لكل سبط عين .

{ كلوا } أي : من المن والسلوى ، واشربوا من الماء المذكور .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (60)

ولما بين سبحانه{[2581]} نعمته عليهم بالإمكان من القرية بالنصر على أهلها والتمتع{[2582]} بمنافعها وختمه بتعذيبهم{[2583]} بما يميت أو يحرق ، وتبين من ذلك كله أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة كما سيأتي التصريح به من قول الله تعالى في قصة البقرة ، وأنها لا منفعة فيها ، اتبعه التذكير{[2584]} بنعمته عليهم في البرية بما يبرد الأكباد ويحيي الأجساد ، فذكر انفجار الماء من الحجر الذي عمهم نفعه وأنقذهم من الموت تبعة{[2585]} ، ودلهم على التوحيد والرسالة أصله وفرعه بقدرة الصانع وعلمه جمعاً لهم بذلك بين نعمتي الدين والدنيا{[2586]} فقال تعالى : { وإذ استسقى } أي طلب السقيا .

قال الحرالي : والسقيا فعلى صيغة مبالغة فيما يحصل به الري من السقي والسقي إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالاً أو مقالاً ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم اسق عبادك ! ثم قال : وأحي بلدك{[2587]} الميت " انتهى .

{ موسى لقومه } أي لما خافوا الموت من العطش { فقلنا } أي بما لنا من العظمة حين خفيت عنهم { اضرب } قال الحرالي : من الضرب وهو وقع الشيء على الشيء بقوة .

{ بعصاك } والعصا{[2588]} كأنها ما يكف به العاصي ، وهو من ذوات الواو ، والواو فيه إشعار بعلو كأنها آلة تعلو من قارف{[2589]} ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية ، كأن العصو أدب العصي ، يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا اشتقاق ثان ، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى .

{ الحجر } أي جنسه فضرب حجراً{[2590]} { فانفجرت }{[2591]} وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق{[2592]} لاجتماعهما في الخروج عن محيط ، هذا خروج يحيي وذاك خروج يميت . قال الحرالي : الانفجار{[2593]} انبعاث وحي من شيء موعى أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى . ولأن هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة ، ولما لم يكن سياق الأعراف للامتنان عبر الإنبجاس الذي يدور معناه على مجرد الظهور والنبوع{[2594]} " منه " أي الحجر الذي ضربه " اثنتا عشرة عيناً " لكل سبط عين ، والعين قال الحرالي هو باد نام{[2595]} قيم يبدو به غيره ، فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين ، وما مطر من السماء فأغنى فهو عين ، يقال إن العين مطر أيام لا يقلع وإنما هو مطر يغني وينجع ، وما تبدو به الموزونات عين ، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين ، وما تنال به الأعيان من الحواس عين ، والركية وهي بئر السقيا عين ، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول{[2596]} : الركبة - بالباء يعني الموحدة - وإنما هي الركيّة - بالياء المشددة - كذا{[2597]} قال ، وقد ذكر أهل اللغة عين الرُكبة ؛ وعدّ في{[2598]} القاموس المعاني التي لهذا اللفظ نحو أربعين{[2599]} ، منها نقرة{[2600]} الركبة أي بالموحدة ، ومنها مفجر ماء الركية بالتحتانية مشددة .

ولما توقع السامع إخبار المتكلم هل كانت الأعين موزعة بينهم{[2601]} معروفة أو ملبسة قال { قد علم كل أناس } أي منهم . قال الحرالي : وهو اسم جمع من الأنس - بالضم ، كالناس اسم جمع من النوس ، قال : فلم يسمهم باسم من أسماء الدين لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمّين بها من أحوال تدين أو حال طبع أو تطبع { مشربهم } مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب أو{[2602]} اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد ، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه ، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر ، فكان فيها نقمة ورحمة ؛ وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم حين كان ينبع من بين أصابعه الماء غنياً في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر ، وتمليك الماء من أعظم التمكين ، لأنه تمكين فيما هو بزر{[2603]} كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ومصور - انتهى . يعني أن هذه الخارقة دون ما نبع للنبي صلى الله عليه وسلم من الماء من بين أصابعه ، ودون ما نبع بوضع أصحابه سهماً من سهامه في بئر الحديبية وقد كانت لا ماء فيها ، ونحو ذلك كثير .

ولما{[2604]} كان السياق للامتنان{[2605]} {[2606]}وكان{[2607]} الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال زيادة على ما في الأعراف ممتناً{[2608]} عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على تقدير القول لأنه معلوم تقديره{[2609]} { كلوا واشربوا من رزق الله } أي الذي رزقكموه{[2610]} من له الكمال كله{[2611]} من غير كد ولا نصب{[2612]} . قال الحرالي : لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جرى العادة حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ذكره لاسم الله الذي هو غيب .

{ ولا تعثوا } من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو والياء ، إن العثو إفساد أهل القوى بالسطوة والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى .

{ في الأرض } أي عامة ، لأن من أفسد في شيء منها بالفعل فقد أفسد فيها كلها بالقوة . واتباع ما معناه الفساد قوله { مفسدين } دليل على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما يكون فساداً قاصدين به الفساد ، فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد ، لكن قد يقصد بصورة الفساد الخير فيكون صلاحاً في المعنى ، كما فعل الخضر عليه السلام في السفينة والغلام ، وليس المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة إلى أنه لملاءمته للهوى لا يكون إلا كذلك ، سيأتي له في سورة هود عليه السلام إن شاء الله تعالى مزيد بيان{[2613]} .

قال الحرالي : وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم ، لأن في كل نهي إشعاراً بمخالفته ، إلا ما شاء الله ، وفي كل أمر إشعاراً بموافقته إلا ما شاء الله ، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به لاكتفاء إجباره فيه طبعاً عن أمره ، وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره عن أمره ، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص ، فكان منهم لذلك من العثي{[2614]} ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان ، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني آدم فكيف بالمؤمنين منهم فكيف بالأنبياء منهم - انتهى .


[2581]:ليس في ظ.
[2582]:في م: التمتيع.
[2583]:زي في ظ: بها.
[2584]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: التذكر.
[2585]:ليست في ظ.
[2586]:قال أبو حيان الأندلسي: هذا هو الإنعام التاسع وهو جامع لنعم الدنيا والدين، أما في الدنيا فلأنه أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولا هو هالكوا في التيه وهذا أبلغ من الماء المعتاد في الإنعام لأنهم في مفازة منقطعة، وأما في الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه وعلى صدق موسى عليه السلام، والاستسقاء طلب الماء عدمه وقلته. وذكر الله هذه النعمة من الاستسقاء غير مقيدة بمكان وقد اختلف في ذلك - ثم ذكر الاختلاف من أراد الاطلاع فليراجع إلى البحر المحيط 1 / 226
[2587]:في م: بذلك.
[2588]:العصا مؤنث والألف منقلبة عن واو، قالوا: عصوان، وعصوته أي ضربته بالعصا ويجمع على افعل شذوذا قالوا: أعص، أصله أعصو. وعلى فعول قياسا قالوا: عصى، أصله عصو ويتبع حركة العين حركة الصاد.
[2589]:في م: قارن.
[2590]:زيد في م ومد: وطوى هذا المقدر من الضرب لا بناء.
[2591]:زيد في م ومد: عليه مع البلاغة وبراعة الحسن ولطافة الرونق بحذفه والدلالة على سرعة الامتثال وعلى أن المؤثر في الحقيقة إنما هو الأمر بالضرب لأن الضرب نفسه.
[2592]:في ظ: الفسق.
[2593]:قال أبو حيان الأندلسي: الانفجار انصداع شيء من شيء ومنه انفجر والفجور وهو الانبعاث في المعصية كالماء وهو مطاوع فعل فجره فانفجر، "فانفجرت" الفاء للعطف على جملة محذوفة التقدير: فضرب فانفجرت، كقوله تعالى "إن أضرب بعصاك الحجر فانفلق" أي فضرب فانفلق ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار مرتبا على ضربه، إذ لو كان ينفجر دون الضرب لما كان للأمر فائدة ولكان تركه عصاينا وهو لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام. "منه" متعلق بقوله "فانفجرت" و "من" لابتداء الغاية، والضمير عائد على الحجر المضروب، فانفجار الماء كان من الحجر لا من المكان كما قال تعالى "وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار" وجاء هنا "انفجرت" وفي الأعراف "انبجست" فقيل هما سواء، انفجر وانبجس وانشق مترادفات، وقيل بينهما فرق وهو أن الانبجاس هو أول خروج الماء والانفجار اتساعه وكثرته، وقيل الانبجاس خروجه من الصلب والانفجار خروجه من اللين، وقيل الانبجاس هو الرشح والانفجار، هو السيلان، وظاهر القرآن استعمالهما بمعنى واحد لأن الآيتين قصة واحدة - انتهى كلامه. أما ما ذكره المصنف له معنى باعتبار المحل والسياق فتدبر.
[2594]:في ظ: النوع – انتهى.
[2595]:في م: تام، وفي مد: نام – كذا.
[2596]:في م: فقال.
[2597]:ليس في م ومد.
[2598]:ليس في م ومد.
[2599]:قال أبو حيان: العين لفظ مشترك بين منبع الماء والعضو الباصر والسحابة تقبل من ناحية القبلة والمطر يمطر خمسا أو ستا لا يقلع ومن له شرف في الناس والثقب في المزادة والذهب وغير ذلك، وجمع على أعين شاذا وعيون قياسا، وقالوا في الأشراف: أعيان، وجاء ذلك قليلا في العضو الباصر قال الشعر: أسمل أعيانا لهما ومآقيا "عينا" منصوب على التميز وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا اثنى عشر سبطا وكان بينهم تضاغن وتنافس فأجرى الله لكل سبط منهم عينا يرده لا يشركه فيه أحد من السبط الآخر، وذكر هذا العدد دون غيره يسمى التخصيص عند أهل علم البيان وهو أن يذكر نوع من أنواع كثيرة لمعنى فيه لم يشركه فيه غيره ومنه قوله تعالى "وإنه هو رب الشعرى" قال بعض أهل اللطائف: خلق الله الحجارة وأودعها صلابة يفرق بها أجزاء كثيرة مما صلب من الجوامد وخلق الأشجار رطبة الغصون ليست لها قوة الأحجار فتؤثر فيها تفريقا بأجزائها ولا تفجير العيون ماءها بل الأحجار تؤثر فيها، فلما أيدت بقوة النبوة انفلقت بها البحار وتفرقت بها أجزاء الأحجار وسالت بها الأنهار إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار – انتهى كلامه. قال علي المهائمي: ثم اشار إلى أن النعم الإلهية لو لم تكن في حقهم سبب الكفر فلا أقل من أن تكون سبب التفرقة فقال "وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر" وكانا من الجنة حملهما آدم فتوارثهما الأنبياء عليهم السلام حتى وصلا إلى شعيب فأعطاهما موسى عليه السلام، وكان مكعبا ينبع من كل وجه ثلاث أعين يسيل كل عين في جدول، ولا يبعد من قدرة الله أن يجعل الحجر جاذبا للهواء مقلبا لها بقوة تبريده بالماء "فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا" عدد قبائلهم "قد علم كل" قبيلة "أناس مشربهم" المعين إذ لا يجتمعوا على مشرب واحد فلم يجتمعوا في حياة موسى الجامع لهم على مشرب واحد فكيف يجتمعون بعده على شريعة واحدة – انتهى كلامه
[2600]:في م: بعدد.
[2601]:زيد في م: أو.
[2602]:في ظ: و
[2603]:في م: برز
[2604]:ليست في ظ.
[2605]:ليست في ظ.
[2606]:ليس في م.
[2607]:ليس في م.
[2608]:في م: تمننا.
[2609]:قال أبو حيان: هو على إضمار قول أي وقلنا لهم: وهذا الأمر أمر إباحة. قال السلمى: مشرب كل أحد حيث أنزله رائده، فمن رائده نفسه مشربه الدنيا، أو قلبه فمشربه الآخرة، أو سره فمشربه الجنة، أو روحه فمشربه السلسبيل، أو ربه فمشربه الحضرة على المشاهدة حيث يقول: "وسقاهم ربهم شرابا طهورا" طهرهم به عن كل ما سواه؛ وبدئ بالأكل لنه المقصود أولا وثنى بالشرب لأن الاحتياج إليه حاصل عن الأكل ولأن ذكر المن والسلوى متقدم على انفجار الماء "من رزق الله" ولما كان مأكولهم ومشروبهم حاصلين لهم من غير تعب منهم ولا تكلف ضيفا إلى الله تعالى وهذا الالتفات إذ تقدم "فقلنا اضرب" والرزق هنا هو المرزوق وهو الطعام من المن والسلوى والمشروب من ماء العيون.
[2610]:ليست في ظ.
[2611]:ليست في ظ.
[2612]:قال أبو حيان الأندلسي: ولما كان مطعومهم ومشروبهم بلا كلفة عليهم ولا تعب في تحصيله حسنت إضافته إلى الله وإن كانت جميع الأرزاق منسوبة إلى الله تعالى سواء كانت مما تسبب العبد في كسبها أم لا، واختص بالإضافة للفظ الله إذ هو العلم الذي لا يشركه فيه أحد الجامع لسائر الأسماء "الله الذي خلقكم ثم رزقكم" "قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله" "أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماوات والأرض إله مع الله" وفي هذه الآية دليل على جواز كل الطيبات من الطعام وشرب المستلذ من الشراب والجمع بين اللونين والمطعومين وكل ذلك بشرط الحل. وقال المهائمي: "واشربوا" من المشارب حال كونهما "من رزق الله" فلا تستعينوا به على معصية الله بل اجعلوه عونا على طاعته واستدلوا به على عنايته بكم "ولا تعثوا" أي لا تفسدوا فسادا ساريا "في الأرض" حال كونكم "مفسدين" بالتفرقة فلا تزيدوا عليها، فعلم أن نعم الله لم تزل في حقهم سببا لمزيد فسادهم، لذلك زادوا فسادا ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم – انتهى.
[2613]:قد فسر أبو حيان العثو والعثى مثل ما في هذا الكتاب مع مزيد بيان – إلى أن قال: لما أمروا بالأكل والشرب من رزق الله ولم يقيد ذلك عليهم بزمان ولا مكان ولا مقدار من مأكول أو مشروب كان ذلك إنعاما وإحسانا جزيلا واستدعى ذلك التبسط في المآكل والمشارب وأنه ينشأ عن ذلك القوة الغضبية والقوة الاستعلائية نهاهم عما يمكن أن ينشأ عن ذلك وهو الفساد حتى لا يقابلوا تلك النعم بما يكفرها وهو الفساد في الأرض. ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزغ البركات وذلك انتقام يعم الأرض بالفساد. قال القشيري في قوله تعالى "وإذا استسقى" الآية: إن الذي قدر على إخراج الماء من الصخرة الصماء كان قادرا على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه واتصال محل الاستعانة إليه وليكون لموسى عليه السلام في فضل الحجر مع نفسه شغل ولتكليفه أن يضرب بالعصا نوع من المعالجة ثم أراد أن يكون كل سبط جاريا على سننه غير مزاحم لصحابه وحين كفاهم ما طلبوه أمرهم بالشكر وحفظ الأمر وترك احتقاب الوزر فقال "ولا تعثوا" والمناهل مختلفة وكل يرد مشربه، فمشرب ومشرب أجاج ومشرب صاف ومشرب رنق، وسياق كل قوم يقودهم فالنفوس، ترد مناهل المنى، والقلوب ترد مشارب التقى والأرواح ترد مناهل الكشف، والمشاهدات والأسرار ترد مناهل الحقائق بالاختطاف من حقيقة الوحدة والذات- انتهى كلامه ملخصا. قال البيضاوي: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد فقد يكون منه ما لبس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدى بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة؛ ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حسا. ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر الخل ويجذب الحديد لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجوانب وتصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك – انتهى.
[2614]:زيد في م: و