تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وجاءوا على قميصه}، يعني: على قميص يوسف، {بدم كذب}، وذلك أنهم حين ألقوه في البئر انتزعوا ثيابه، وهو قميصه، ثم عمدوا إلى سخلة فذبحوها على القميص ليروا أباهم يعقوب، فلما رأى أبوهم القميص صحيحا اتهمهم، وكان لبيبا عاقلا، فقال: ما أحلم هذا السبع حين خلع القميص كراهية أن يتمزق، ثم بكى، ف {قال بل سولت}، يقول: بل زينت، {لكم أنفسكم أمرا}، وكان الذي أردتم هو منكم، {فصبر جميل}، يعني: صبري صبرا حسنا لا جزع فيه، {والله المستعان على ما تصفون}، يقول: بالله أستعين على ما تقولون حين تزعمون أن الذئب أكله، فبكى عليه يعقوب، عليه السلام...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{وَجاءُوا على قَمِيصَهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}، وسماه الله كذبا؛ لأن الذين جاءوا بالقميص وهو فيه كذبوا، فقالوا ليعقوب: هو دم يوسف، ولم يكن دمه، وإنما كان دم سخلة فيما قيل.
والوجه ا لآخر: وهو أن يقال: هو مصدر، بمعنى: مفعول، وتأويله: وجاءوا على قميصه بدم مكذوب، كما يقال: ما له عقل ولا معقول، ولا له جلد ولا له مجلود. والعرب تفعل ذلك كثيرا.
{قالَ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْرا}، يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه الذين أخبروه أن الذئب أكل يوسف مكذّبا لهم في خبرهم ذلك: ما الأمر كما تقولون، {بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْرا}، يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمرا في يوسف، وحسنته، ففعلتموه.
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، يقول: فصبري على ما فعلتم بي في أمر يوسف صبر جميل، أو فهو صبر جميل.
{وَاللّهُ المسْتَعانُ على ما تَصِفُونَ} يقول: واللّهَ أستعين على كفايتي شرّ ما تصفون من الكذب. وقيل: إن الصبر الجميل: هو الصبر الذي لا جزع فيه... قوله: {فصبر جميل}، قال: صبر لا شكوى فيه... عن قتادة: {والله المستعان على ما تصفون}، أي: على ما تكذبون.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
والتسويل هو التزيين في اللغة. وتأويله، والله أعلم: أي زينت لكم أنفسكم، ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون بيني وبين ابني...
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} يدل على أن يعقوب عليه السلام قطع بخيانتهم وظلمهم وأن يوسف لم يأكله الذئب لما استدلّ عليه من صحة القميص من غير تخريق، وهذا يدل على أن الحكم بما يظهر من العلامة في مثله في التكذيب أو التصديق جائز؛ لأنه عليه السلام قطع بأن الذئب لم يأكله بظهور علامة كذبهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
لم يُؤثِّرْ تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب -عليه السلام- لكذبهم، بل أخبره قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرَاً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. فَعلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل... وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين عواقبُ الأمور على وجه الإجمال، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بِدَمٍ كَذِبٍ} ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه والزور بذاته. {سَوَّلَتْ}: سهلت من السول وهو الاسترخاء، أي: سهلت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} عظيماً ارتكبتموه من يوسف وهوّنته في أعينكم: استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص. أو أُوحي إليه بأنهم قصدوه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور القلب وقوة الحدس، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل على بطلانه، ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه، اعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب قولهم. فقال تعالى حاكياً عنهم: {وجاؤوا على قميصه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {بدم كذب} أي مكذوب، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق للواقع، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه الصلاة والسلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها -روي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، وكان في القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم، ودلالته على صدق يوسف عليه الصلاة والسلام في قده من دبر، وعود البصر إلى أبيه به، فكأنه قيل: هل صدقهم؟ فقيل: لا! لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله، فلا بد من أن يبقى منه شيء يعرف معه أنه هو، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم وليدفنوه في جبانتهم مع بقية أسلافهم، وقد كان قادراً على مطالبتهم بذلك، ولكنه علم أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق، فخاف من أن يفتح البحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور، بدليل قوله بعد ذلك {فتحسسوا من يوسف وأخيه} [يوسف:87] ونحو ذلك، فكأنه قيل: فما ذا قال؟ فقيل: {قال بل} أي لم يأكله الذئب، بل {سولت} أي زينت وسهلت، من السول وهو الاسترخاء {لكم أنفسكم أمراً} أي عظيماً أبعدتم به يوسف {فصبر} أي فتسبب عن ذلك الفادح العظيم أنه يكون صبر {جميل} منى، وهو الذي لا شكوى معه للخلق {والله} أي المحيط علماً وقدرة {المستعان} أي المطلوب منه العون {على} احتمال {ما تصفون} من هلاك يوسف عليه الصلاة والسلام،
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وجاءوا على قميصه بدم كذب} المراد من هذه الجملة الفذة في بلاغتها أنهم جاؤوا بقميصه ملطخا ظاهره بدم غير دم يوسف يدعون أنه دمه ليشهد لهم بصدقهم فكان دليلا على كذبهم، فنكر الدم ووصفه باسم الكذب مبالغة في ظهور كذبهم في دعوى أنه دمه حتى كأنه هو الكذب بعينه، فالعرب تضع المصدر موضع الصفة للمبالغة كما يقولون شاهد عدل، ومنه فهن به جود وأنتم به بخل. وقال "على قميصه "ليصور للقارئ والسامع أنه موضوع على ظاهره وضعا متكلفا ولو كان من أثر افتراس الذئب له لكان القميص ممزقا والدم متغلغلا في كل قطعة منه، ولهذا كله لم يصدقهم. {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا} هذا إضراب عن تكذيب صريح تقديره: إن الذئب لم يأكله بل سهلت لكم الأمارة بالسوء أمرا إمرا، وكيدا نكرا، وزينته في قلوبكم فطوعته لكم حتى اقترفتموه، أي هذا أمركم وأما أمري معكم ومع ربي {فصبر جميل} أو فصبري صبر جميل لا يشوه جماله جزع اليائسين من روح الله، القانطين من رحمة الله، ولا الشكوى إلى غير الله {والله المستعان على ما تصفون} من هذه المصيبة لا أستعين على احتمالها غيره أحدا منكم ولا من غيركم...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وأدرك يعقوب من دلائل الحال، ومن نداء قلبه، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما. وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، ويصفون له حالا لم تكن، فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا} و {سولت} معناها سهلت، وزينت لكم أمرا خطيرا شديد الخطورة، فالتنكير في {أمرا} لبيان شدته، وبلوغ أقصى قوته، ثم قال: {فصبر جميل} والصبر الجميل هو الذي يليق بمقام النبوة، والصبر الجميل هو الصبر من غير أنين ولا شكوى، مع الرضا بقدر الله تعالى، وما كتبه الله ورجاء كشف البلاء، ولذلك ما يئس قط من أن يعود إليه ابنه وحبيبه، ولو ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. وهو في صبره المرير يتجه إلى الله تعالى ويقول: {والله المستعان على ما تصفون} أي لا يستعان إلا وحده في الصبر على ما يصفون من قول، ولم يقل على ما وقع، بل قال على ما وصفتم، للإحساس بأن ما وصفوا غير ما وقع. والصبر الجميل، لا يمنع الألم المرير، بل إنه لا صبر إلا إذا كان الألم الشديد، ولكن لا يجزع، ولا يفرط منه ما يدل على عدم الرضا بما قدره الله تعالى وكان...
الأولى : قوله تعالى : " بدم كذب " قال مجاهد : كان دم سخلة أو جَدْي ذبحوه{[8999]} . وقال قتادة : كان دم ظبية ، أي جاؤوا على قميصه بدم مكذوب فيه ، فوصف الدم بالمصدر ، فصار تقديره : بدم ذي كذب ، مثل : " وسئل القرية " [ يوسف : 82 ] والفاعل والمفعول قد يسميان بالمصدر ، يقال : هذا ضرب الأمير ، أي مضروبه وماء سكب أي مسكوب ، وماء غور أي غائر ، ورجل عدل أي عادل . وقرأ الحسن وعائشة : " بدم كدب " بالدال غير المعجمة ، أي بدم طري ، يقال للدم الطري الكدب . وحكي أنه المتغير ، قاله الشعبي . والكدب أيضا البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث ، فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اختلاف اللونين .
الثانية : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها ، وهي سلامة القميص من التنييب{[9000]} ؛ إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من التخريق ، ولما تأمل يعقوب عليه السلام القميص فلم يجد فيه خرقا ولا أثرا استدل بذلك على كذبهم ، وقال لهم : متى كان هذا الذئب ، حكيما يأكل يوسف ولا يخرق القميص ! قاله ابن عباس وغيره ، روى إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان الدم دم سخلة . وروى سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نظر إليه قال كذبتم ، لو كان الذئب أكله لخرق القميص . وحكى الماوردي أن في القميص ثلاث آيات : حين جاؤوا عليه بدم كذب ، وحين قد قميصه من دبر ، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا . قلت : وهذا مردود ، فإن القميص الذي جاؤوا عليه بالدم غير القميص الذي قُدّ ، وغير القميص الذي أتاه البشير به . وقد قيل : إن القميص الذي قُدّ هو الذي أتي به فارتد بصيرا ، على ما يأتي بيانه آخر السورة إن شاء الله تعالى . وروي أنهم قالوا له : بل اللصوص قتلوه ، فاختلف قولهم ، فاتهمهم ، فقال لهم يعقوب : تزعمون أن الذئب أكله ، ولو أكله لشق قميصه قبل أن يفضي إلى جلده ، وما أرى بالقميص من شق ، وتزعمون أن اللصوص قتلوه ، ولو قتلوه لأخذوا قميصه ، هل يريدون إلا ثيابه ؟ ! فقالوا عند ذلك : " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " عن الحسن وغيره ، أي لو كنا موصوفين بالصدق لا تهمتنا .
استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام ستدل على كذبهم بصحة القميص ، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت ، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح ، وهي قوة التهمة ؛ ولا خلاف بالحكم بها ، قاله بن العربي .
قوله تعالى :{ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } .
الأولى : روي أن يعقوب لما قالوا له : " فأكله الذئب " قال لهم : ألم يترك الذئب له عضوا فتأتوني به أستأنس به ؟ ! ألم يترك لي{[9001]} ثوبا أشم فيه رائحته ؟ قالوا : بلى ! هذا قميصه ملطوخ بدمه ، فذلك قوله تعالى : " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " فبكى يعقوب عند ذلك وقال لبنيه : أروني قميصه ، فأروه فشمه وقبله ، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقا ولا تمزيقا ، فقال : والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت كاليوم ذئبا أحكم منه ، أكل ابني واختلسه من قميصه ولم يمزقه عليه ، وعلم أن الأمر ليس كما قالوا ، وأن الذئب لم يأكله ، فأعرض عنهم كالمغضب باكيا حزينا وقال : يا معشر ولدي ! دلوني على ولدي ، فإن كان حيا رددته إلي ، وإن كان ميتا كفنته ودفنته ، فقيل قالوا حينئذ : ألم تروا إلى أبينا كيف يكذبنا في مقالتنا ! تعالوا نخرجه من الجب ونقطعه عضوا عضوا ، ونأت أبانا بأحد أعضائه فيصدقنا في مقالتنا ويقطع يأسه ، فقال يهوذا : والله لئن فعلتم لأكونن لكم عدوا ما بقيت ، ولأخبرن أباكم بسوء صنيعكم ، قالوا : فإذا منعتا من هذا فتعالوا نصطد له ذئبا ، قال : فاصطادوا ذئبا ولطخوه بالدم ، وأوثقوه بالحبال ، ثم جاؤوا به يعقوب وقالوا : يا أبانا ! إن هذا الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها ، ولعله الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه ، وهذا دمه عليه ، فقال يعقوب : اطلقوه ، فأطلقوه ، وتبصبص له الذئب ، فأقبل يدنو منه{[9002]} ويعقوب يقول له : ادن ادن ، حتى ألصق خده بخده{[9003]} فقال له يعقوب : أيها الذئب ! لم فجعتني بولدي وأورثتني حزنا طويلا ؟ ! ثم قال اللهم أنطقه ، فأنطقه الله تعالى فقال : والذي اصطفاك نبيا ما أكلت لحمه ، ولا مزقت جلده ، ولا نتفت شعرة من شعراته ، والله ! ما لي بولدك عهد ، وإنما أنا ذئب غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخ لي فُقِد ، فلا أدري أحي هو أم ميت ، فاصطادني أولادك وأوثقوني ، وإن لحوم الأنبياء حرمت علينا وعلى جميع الوحوش ، وتالله لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش ، فأطلقه يعقوب وقال : والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم ، هذا ذئب بهيم خرج يتبع ذِمام أخيه ، وأنتم ضيعتم أخاكم ، وقد علمت أن الذئب بريء مما جئتم به . " بل سولت " أي زينت لكم . " أنفسكم أمرا " غير ما تصفون وتذكرون .
وتذكرون . ثم قال توطئة لنفسه : " فصبر جميل " وهي :
الثانية : قال الزجاج : أي فشأني والذي اعتقده صبر جميل . وقال قطرب : أي فصبري صبر جميل . وقيل : أي فصبر جميل أولى بي ، فهو مبتدأ وخبره محذوف . ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر الجميل فقال : ( هو الذي لا شكوى معه ) . وسيأتي له مزيد بيان آخر السورة إن شاء الله . قال أبو حاتم : قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف " فصبرا جميلا " قال : وكذا قرأ الأشهب العقيلي ، قال وكذا . في مصحف أنس وأبي صالح . قال المبرد : " فصبر جميل " بالرفع أولى من النصب ؛ لأن المعنى : قال رب عندي صبر جميل ، قال : وإنما النصب على المصدر ، أي فلأصبرن صبرا جميلا ، قال :
شكَا إليّ جَمَلِي طولَ السُّرَى *** صبراً{[9004]} جميلاً فكِلاَنَا مُبْتَلَى
والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى . وقيل : المعنى لا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين ، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم ، وفي هذا ما يدل على أنه عفا عن مؤاخذتهم . وعن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب كان قد سقط حاجباه على عينيه ، فكان يرفعهما بخرقة ، فقيل له : ما هذا ؟ قال : طول الزمان وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب ؟ ! قال : يا رب ! خطيئة أخطأتها فاغفر لي . " والله المستعان " ابتداء وخبر . " على ما تصفون " أي على احتمال ما تصفون من الكذب .
الثالثة : قال ابن أبي رفاعة : ينبغي لأهل الرأي أن يتهموا رأيهم عند ظن يعقوب صلى الله عليه وسلم وهو نبي ، حين قال له بنوه : " إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب " قال : " بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل " فأصاب هنا ، ثم قالوا له : " إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين{[9005]} " [ يوسف : 81 ] قال : " بل سولت لكم أنفسكم أمرا " فلم يصب .
قوله : { وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } أي مكذوب مفترى ، أو وصف الدم بالمصدر على سبيل المبالغة كأن هذا الدم نفس الكذب كما يقال للكذاب : هو الكذب بعينه ، والزور بذاته ؛ فقد كذبوا على أبيهم يعقوب بعد أن تمالأوا على أخيهم يوسف ، فأرادوا به كيدا فكانوا هم المكيدين بافتضاح أمرهم وهتك نواياهم الشريرة ؛ لقد كذبوا على أبيهم ؛ إذ جاءوه بدم سخلة لطخوا به قميص يوسف ثم زعموا أن هذا هو دمه .
قال : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } { بل } ، حرف إضراب . { سولت } أي زينت{[2214]} ، فقد قال لهم يعقوب مكذبا زعمهم وافتراءهم : ليس الأمر كما تقولون بل زينت لكم أنفسكم أمرا في يوسف وحسنته لكم تحسينا مريبا ففعلتموه { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } صبر ، مرفوع على انه مبتدأ ، وخبره محذوف وتقديره : فصبر جميل خبر من غيره . وغنما جاز الابتداء بالمنكر لكونه موصوفا . وقيل : مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، وتقديره : فصبري صبر جميل{[2215]} .
والمعنى : أنني سأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه بتمالؤكم على يوسف حتى يكشف الله عني هذا البلاء بلطفه وفضله ورحمته { وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } أي أستعين بالله على ما اتفقتم عليه من الشر والمكر ، أو ما جئتموني به من كذب{[2216]} .