فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ} (31)

{ بِمَكْرِهِنَّ } باغتيابهنّ وسوء قالتهن ، وقولهنّ : امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها ، وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحالِ غيبة ، كما يخفي الماكر مكره . وقيل : كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } دعتهنّ . قيل : دعت أربعين امرأة منهنّ الخمس المذكورات { وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً } ما يتكئن عليه من نمارق ، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ : أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته ، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها ، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده ، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ ، فتضع الخناجر في أيديهنّ ليقطعن أيديهنّ ، فتبكتهنّ بالحجة ، ولتهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهنّ الخناجر ، وتوهمه أنهنّ يثبن عليه . وقيل : متكأ : مجلس طعام لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين ، ولذلك . " نهى أن يأكل الرجل متكئاً " وأتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن . وقيل : { مُتَّكَئاً } طعاماً ، من قولك اتكأنا عند فلان : طعمنا ، على سبيل الكناية ؛ لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكىء عليها . قال جميل :

فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنَا *** وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قُلَلِهْ

وعن مجاهد { مُتَّكَئاً } طعاماً يحزّ حزّا ، كأن المعنى يعتمد بالسكين ؛ لأنّ القاطع يتكىء على المقطوع بالسكين . وقرىء : «متكا » بغير همز . وعن الحسن : «متكاء » بالمدّ ، كأنه مفتعال ، وذلك لإشباع فتحة الكاف ، كقوله «بمُنْتزاحِ » بمعنى بمنتزح . ونحوه «يَنْبَاعُ » بمعنى ينبع . وقرىء : «متكأ » وهو الأترج ، وأنشد :

فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا *** تَخُبُّ بِهَا العَثْمَثَةُ الْوِقَاحُ

وكانت أهدت أترجة على ناقة ، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في سننه أنها شقت بنصفين ، وحملا كالعدلين على جمل . وقيل : الزماورد وعن وهب : أترجا وموزاً وبطيخاً .

وقيل : أعتدت لهنَّ ما يقطع ، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه . وقرأ الأعرج : { مُتَّكَئاَ } مفعلاً ، من تكىء يتكأ ، إذا اتكأ { أَكْبَرْنَهُ } أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق . قيل : كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء ، فقلت لجبريل : من هذا ؟ فقال يوسف ، فقيل : يا رسول الله كيف رأيته ؟ قال «كالقمر ليلة البدر "

وقيل : كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران ، كما يرى نور الشمس من الماء عليها . وقيل : ما كان أحد يستطيع وصف يوسف . وقيل : كان يشبه آدم يوم خلقه ربه . وقيل : ورث الجمال من جدّته سارة . وقيل : أكبرن بمعنى حضن ، والهاء للسكت ، يقال : أكبرت المرأة إذا حاضت ، وحقيقته : دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر ، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله :

خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذَا الْجَمَالَ بِبُرْقَع *** فَإنْ لُحْتَ حَاضَتْ في الْخُدُورِ الْعَوَاتِقُ

{ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } جرحنها ، كما تقول : كنت أقطع اللحم فقطعت يدي ، تريد : جرحتها { حاشا } كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء . تقول : أساء القوم حاشا زيد . قال :

حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِه *** ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ

وهي حرف من حروف الجر ، فوضعت موضع التنزيه والبراءة ، فمعنى «حاشا الله » براءة الله وتنزيه الله ، وهي قراءة ابن مسعود ، على إضافة حاشا إلى الله إضافة البراءة . ومن قرأ : حاشا لله ، فنحو قولك : سقيا لك ؛ كأنه قال : براءة ، ثم قال : لله ، لبيان من يبرأ وينزه . والدليل على تنزيل «حاشا » منزلة المصدر : قراءة أبي السمال : { حاشا لله } بالتنوين . وقراءة أبي عمرو «{ حَاشَ للَّهِ } » بحذف الألف الآخرة . وقراءة الأعمش «{ حشا لله } » بحذف الألف الأولى . وقرىء : «حاش لله » بسكون الشين ، على أن الفتحة تبعت الألف في الإسقاط ، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حدّه . وقرىء : «حاشا الإله » . فإن قلت : فلم جاز في حاشا لله أن لا ينوّن بعد إجرائه مجرى : براءة لله ؟ قلت : مراعاة لأصله الذي هو الحرفية . ألا ترى إلى قولهم : جلست من عن يمينه ، كيف تركوا «عن » غير معرب على أصله ؟ وعلى قوله «غدت من عليه » منقلب الألف إلى الياء مع الضمير ؟ والمعنى : تنزيه الله تعالى من صفات العجز ، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله . وأما قوله : { حَاشا للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } [ يوسف : 51 ] فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله { مَا هذا بَشَرًا } نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه ، لما عليه محاسن الصور ، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم ، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك ، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان ، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن والقبح بهما ، وما ركز ذلك فيها إلا لأن الحقيقة كذلك ، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين ، ولا أجمع للخير من الملائكة ، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك ، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق ، وجحودهم للعلوم الضرورية ، ومكابرتهم في كل باب ، وإعمال «ما » عمل «ليس » هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن .

ومنها قوله تعالى : { مَّا هُنَّ أمهاتهم } [ المجادلة : 2 ] ومن قرأ على سليقته من بني تميم ، قرأ : «بشر » بالرفع . وهي في قراءة ابن مسعود . وقرىء : «ما هذا بشرى » أي ما هو بعبد مملوك لئيم { إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } تقول هذا بشرى ، أي حاصل بشرى ، بمعنى : هذا بشرى . وتقول : هذا لك بشري أم بكري ؟ والقراءة هي الأولى ، لموافقتها المصحف ؛ ومطابقة بشر لملك .