المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (100)

100- وسار الركب داخل مصر حتى بلغ دار يوسف ، فدخلوها وصدَّر يوسف أبويه ، فأجلسهما على سرير ، وغمر يعقوب وأهله شعور بجليل ما هيأ اللَّه لهم على يدي يوسف ، إذ جمع به شمل الأسرة بعد الشتات ونقلها إلى مكان عظيم من العزة والتكريم ، فحيَّوه تحية مألوفة تعارف الناس عليها في القديم للرؤساء والحاكمين ، وأظهروا الخضوع لحكمه ، فأثار ذلك في نفس يوسف ذكرى حلمه وهو صغير ، فقال لأبيه : هذا تفسير ما قصصت عليك من قبل من رؤيا ، حين رأيت في المنام أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين لي ، قد حققه ربي ، وقد أكرمني وأحسن إلىَّ ، فأظهر براءتي ، وخلصني من السجن ، وأتى بكم من البادية لنلتقي من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي ، وأغراهم بي ، وما كان لهذا كله أن يتم بغير صنع اللَّه ، فهو رفيق التدبير والتسخير لتنفيذ ما يريد ، وهو المحيط علما بكل شيء ، البالغ حكمه في كل تصرف وقضاء .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (100)

{ ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجّداً } تحية وتكرمة له فإن السجود كان عندهم يجري مجراها . وقيل معناه خروا لأجله سجدا لله شكرا . وقيل الضمير لله تعالى والواو لأبويه وإخوته والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظا للإهتمام بتعظيمه لهما . { وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } التي رأيتها أيام الصبا . { وقد جعلها ربي حقا } صدقا . { وقد أحسن بي إذا أخرجني من السجن } ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريبا عليهم . { وجاء بكم من البدو } من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو . { من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي } أفسد بيننا وحرش ، من نزغ الرائض الدابة إذا نخسها وحملها على الجري . { إن ربي لطيف لما يشاء } لطيف التدبير له إذا ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهل دونها . { إنه هو العليم } بوجود المصالح والتدابير . { الحكيم } الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة . روي : أن يوسف طاف بأبيه عليهما الصلاة السلام في خزائنه فلما أدخله خزانة القراطيس قال : يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلى على ثمان مراحل قال : أمرني جبريل عليه السلام قال : أو ما تسأله قال : أنت أبسط مني إليه فاسأله فقال جبريل : الله أمرني بذلك . لقولك : { وأخاف أن يأكله الذئب } قال فهلا خفتني .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (100)

أوقف كُلاًّ بمحلِّة ؛ فَرَفَعَ أبويه على السرير ، وتَرَك الإخوةَ نازلين بأماكنهم .

قوله : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَاً } : كان ذلك سجودَ تحيةٍ ، فكذلك كانت عادتهم . ودَخَلَ الأَبَوان في السجود - في حقِّ الظاهر- لأنَّ قوله { وَخَرُّوا } إخبارٌ عن الجميع ، ولأنه كان عن رؤياه قد قال : { أني رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً والشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لي سَاجِدِينَ }

[ يوسف :4 ] وقال ها هنا : { هَذَا تَأْوِيلُ رُءيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقَاً } .

قوله جلّ ذكره : { أَحْسَنَ بي إِذْ أخرجني مِنَ السِّجِنْ وَجَاءَ بكُم مِّن البَدوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بيني وَبَيْن إخوتي إِنَّ رَبِىّ لَطِيفٌ لِّمَا يشاء إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ } .

شهد حسانه فَشَكَرَه . . كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده .

وذَكَرَ حديثَ السجن - دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر .

وقيل لأن فيه تذكيراً بِجُرْمِ الإخوة وكانوا يخجلون . وقيل لأن { السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ } وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدئ يُرفَقُ به وفي السجن فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله ؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال ، وفي معناه أنشدوا :

وأسررتني حتى إذا ماسَبَبْتَني *** بقولٍ يحل العُصْم سهل الأباطح20

تجافيتَ عنِّي حين لا لي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح

وفي قوله : { وَجَآءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ } إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإخوته- وإنْ كانوا أهل الجفاء ، لأنَّ الأُخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة .

قوله : { مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بيني وَبَيْنَ إخوتي } أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر ، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان ، ثم لم يرض بهذا حتى قال { بيني وبين إخوتي } يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم ، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث قال : { بيني وَبَيْنَ إخوتي } .

ثم نطق عن عين التوحيد فقال : { إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ } فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني .