بدأت السورة بنهي المؤمنين عن موالاة المشركين أعداء الله وأعدائهم لإصرارهم على الكفر ، وإخراجهم رسول الله والمؤمنين من ديارهم بمكة ، وأشارت إلى أن عداوة هؤلاء كامنة للمؤمنين ، لا تلبث أن تستعلن حين يلاقونهم ويتمكنون منهم .
ثم انتقلت إلى بيان الأسوة الحسنة في إبراهيم والذين معه في تبرئتهم من المشركين وما يعبدون من دون الله ، معلنين عداوتهم لهم ، حتى يؤمنوا بالله وحده موضحة أن ذلك شأن الذين يرجون لقاء الله ويخشون عقابه .
ثم بينت من تجوز صلتهم من غير المسلمين ومن لا تجوز ، فأما الذين لا يقاتلوننا في الدين ولا يعينون علينا ، فإن لنا أن نبرهم ونقسط إليهم ، وأما الذين قاتلونا في الدين ، وظاهروا على إخراجنا من ديارنا ، فأولئك الذين نهى الله عن برهم والصلة بهم .
ثم بينت السورة حكم المؤمنات اللاتي هاجرون إلى دار الإسلام ، وتركن أزواجهن مشركين ، وحكم المشركات الآتي هاجر أزواجهن مسلمين وقد تركوهن بدار الشرك .
وأتبعت ذلك ببيان بيعة النساء ، وما بايعن عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ختمت بما بدأت به من النهي عن موالاة الأعداء الذين غضب الله عليهم ، تقريرا للحكم بينته في مفتتحها ، وأكدته في ثناياها .
1- يا أيها الذين صدّقوا بالله ورسوله : لا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أنصاراً تُفْضُون إليهم بالمحبة الخالصة ، مع أنهم جحدوا بما جاءكم من الإيمان بالله ورسوله وكتابه ، يخرجون الرسول ويخرجونكم من دياركم ، لإيمانكم بالله ربكم ، إن كنتم خرجتم من دياركم للجهاد في سبيلي وطلب رضائي فلا تتولوا أعدائي ، تُلْقُون إليهم بالمودة سراً ، وأنا أعلم بما أسررتم وما أعلنتم ، ومن يتخذ عدو الله ولياً له فقد ضل الطريق المستقيم .
{ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء . . . } نزلت في حاطب بن أبي بلتعة . وكان من المهاجرين وممن شهد بدرا ، وكان له في مكة قرابة قريبة ، وليس له في قريش نسب ؛ إذ هو مولى . فأرسل كتابا إلى أناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عيه وسلم في شأن غزوهم ؛ ليتخذ عندهم يدا فيحموا بها أقاربهم – مع مولاة تسمى سارة . فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان منه ؛ فأرسل في أثرها عليا – كرم الله وجهه – ومعه آخرون فأحضروا الكتاب ، واعتذر حاطب ؛ وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم عذره . نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم ، وفسرها بقوله تعالى : " تلقون إليهم بالمودة " أي ترسلون إليهم أخباره صلى الله عليه وسلم بسبب ما بينكم وبينهم من المودة ، وبقوله : " تسرون إليهم بالمودة " . والحكم عام ولا عبرة بخصوص السبب . وقد ورد النهي عن موالاتهم ، واتخاذهم بطانة ووليجة من دون المؤمنين في غير آية ، وبينت حكمة النهي في هذه الآية وفي غيرها بما يشهد به الواقع . { أن تؤمنوا بالله ربكم } أي لأجل إيمانكم بربكم ؛ فهو العلة لإخراج الرسول والمؤمنين من مكة ، وهو العلة دائما في كراهة الكفار للمسلمين . { ومن يفعله منكم . . . } أي ومن يتخذهم منكم أولياء فقد أخطأ طريق الحق والصواب .
سورة الممتحنة مدنية وآياتها ثلاث عشرة ، نزلت بعد سورة الأحزاب . وهي من السور المدنية التي تعالج التنظيم الاجتماعي والتربية الإيمانية ، وبناء الدولة الحديثة في المجتمع المدني ، لإقامة مجتمع رباني خالص ، محوره الإيمان بالله وحده . ويشدّ المسلمين إلى هذا المحور عروة واحدة لا انفصام لها ، تنقي نفوسهم من كل شائبة وعصبية ، سواء أكانت للقوام أو للجنس أو للأرض ، أو للعشيرة أو للقرابة ، وليجعل الله في مكانها عقيدة واحدة ، هي عقيدة التوحيد ، تحت راية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
روى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث " أن سارة ، مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف ، وكانت مغنيّة ونائحة بمكة ، أتت المدينة تشكو الحاجة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمهاجرة أنتِ يا سارة ؟ فقالت لا . قال : أمسلمة جئت ؟ قالت : لا . قال : فما جاء بك ؟ قالت : كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة ، وقد ذهب الموالي- تعني قُتلوا يوم بدر-وقد احتجت حاجة شديدة حاجة شديدة فقدِمت عليكم لتعطوني وتكسوني . فقال عليه الصلاة والسلام : فأين أنتِ من شباب أهل مكة ؟ وكانت مغنية ، قالت : ما طُلب مني شيء بعد وقعة بدر . فحث رسول الله بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها ، فكسوها وأعطوها وحملوها فخرجت إلى مكة . وكان الرسول يتأهب للخروج إلى غزو مكة . فأتاها حاطب بن أبي بلتعة ( وكان رجلا من أهل اليمن ) ، له حلف بمكة في بني أسد بن عبد العزى ، رهط الزبير بن العوام . فقال لها : أعطيك عشرة دنانير وبُردا على أن تبلغني هذا الكتاب إلى أهل مكة . . يخبرهم فيه أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم .
فقال علي بن أبي طالب راوي الحديث : بعثنا رسول الله أنا والزبير والمقداد ، وفي رواية وأبا مرثد الغنوي ، وعمار بن ياسر ، فقال لهم : ائتوا روضة خاخ-وهي موضع بين مكة والمدينة-فإن بها امرأة في هودج معها كتاب فخذوه منها .
فانطلقنا تجري بنا خيلنا ، فإذا نحن بالمرأة . فقلنا : أخرجي الكتاب ، قالت : ما معي كتاب . فقلنا : لتخرجنّ الكتاب أو لتلقينّ الثياب . فأخرجته من عقاصها . فأتينا به رسول الله فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة ، يخبرهم ببعض أمر رسول الله . فقال رسول الله : يا حاطب ما هذا ؟ قال :
لا تعجلْ عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرءا ملصَقا في قريش ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ يدا يحمون بها قرابتي ، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق ، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق . فقال : إنه شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . فأنزل الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } .
وسميت السورة { الممتحنة } بكسر الحاء يعني المختبرة ، لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } .
ومن قال في هذه السورة : { الممتحنة } بفتح الحاء ، فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها ، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط لقوله تعالى : { فامتحنوهنّ ، الله أعلم بإيمانهن } وسيأتي تفصيل عنها .
وقد بدأت السورة بنهي المؤمنين عن موالاة المشركين أعداء الله وأعدائهم ، لإصرارهم على الكفر ، وإخراجهم رسول الله والمؤمنين من ديارهم بمكة ، وأشارت إلى أن عداوة هؤلاء عداوة دائمة للمؤمنين .
ثم انتقلت إلى بيان الأسوة الحسنة في إبراهيم والذين معهم في تبرّئهم من المشركين ، ثم بينت من تجوز صلتهم من غير المسلمين ومن لا تجوز ، فأما الذين لا يقاتلوننا في الدين ولا يعينون علينا فإن لنا أن نبرّهم ونقسط إليهم ، وأما غيرهم من الذين قاتلونا وظاهروا على إخراج المؤمنين فأولئك نهى الله عن برّهم والصلة بهم .
ثم بينت حكم المؤمنات اللاتي هاجرن إلى دار الإسلام أن يمتحنهنّ المسلمون ، فإن تبيّن صدقهن فلا يجوز إعادتهن إلى المشركين . ثم ذكرت بيان بيعة النساء ، وما بايعن عليه الرسول الكريم . ثم خُتمت السورة بالنهي عن موالاة الأعداء الذين غضب الله عليهم ، كما بدأت به { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ، قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور } .
تلقون إليهم بالمودَة : تودونهم وتخبرونهم بأخبارنا .
يُخرجون الرسولَ وإياكم : من مكة .
أن تؤمنوا بالله : من أجل إيمانكم بالله .
سواء السبيل : الطريق القويم المستقيم .
تقدم الكلامُ عن سبب نزول هذه الآيات ، في الصحابيّ حاطب بن أبي بلتعة ، وهو صحابي من المهاجرين الذين جاهدوا في بدرٍ ( وهؤلاء لهم ميزة خاصة ) وأنه كتب إلى قريش يحذّرهم من غزو الرسول صلى الله عليه وسلم لمكة مع امرأة ، وأن الرسول الكريم كشف أمره ، وأرسل سيدنا علي بن أبي طالب مع عددٍ من الصحابة الكرام وأخذوا الكتاب من المرأة . وقد اعترف حاطب بذنبه ، وقال للرسول عليه الصلاة والسلام : واللهِ ما كفرتُ منذ أسلمت ، ولا غششتُ منذ آمنت ، لكنّي كتبت إلى قريش حمايةً لأهلي من شرهم ، لأني لست قرشياً
ولا يوجد لي عشيرةٌ تحميهم . فعفا عنه وقبل عذره . والآية عامة في كل من يصانع العدوَّ أو يُطْلعه على أسرار المسلمين ، أو يتعاون معه .
ومعناها : يا أيها الذين آمنوا ، لا تصادِقوا الأعداء ، فلا تتخذوا أعداء الله وأعداءَكم أنصارا .
{ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } تعطونهم المحبة الخالصة ، مع أنهم كفروا بما جاءكم من الإيمان بالله ورسوله ، وقد أخرجوا رسول الله وأخرجوكم من دياركم { أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ } لأنكم آمنتم بالله ربكم . فإن كنتم خرجتُم من دياركم للجهاد في سبيلي وطلبِ رضاي فلا تُسِرّوا إليهم بالمحبة ، أو تسرِّبوا إليهم الأخبار ، وأنا أعلمُ بما أَسررتم وما أعلنتم .
{ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل }ومن يتخذْ أعداءَ الله أولياءَ وأنصاراً فقد انحرف وضل عن الطريق المستقيم .