المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة مكية نزلت بعد سورة إبراهيم ، وآياتها 112 آية ، وهي تبين قرب الساعة ، مع غفلة المشركين عنها . وقد ادعوا أن الرسول لا يكون بشرا ، وقالوا مرة عن القرآن سحر ، ومرة شعر ، ومرة أضغاث أحلام . والنذر بين أيديهم قائمة ، وما كان الرسل إلا رجالا مثل محمد صلي الله عليه وسلم وأن السابقين قبلهم كذبوا كما كذبت قريش فدمر فقصم الله قراهم ، وهو القادر علي الإهلاك والإبقاء ، وله كل ما في السماوات والأرض ، والملائكة في معارجهم يسبحون الله تعالي ولا يفترون ، وإن صلاح السماوات والأرض دليل علي أن منشيءهما واحد ، فلو شاركه أحد لفسدتا ، والرسل جميعا جاءت بعبادة الله وحده ليس له ولد . ولا يقول أحد إن إلها آخر مع الله وإلا فجزاؤه جهنم . وبين سبحانه شأن عظمة خلقه وعجائب التكوين في السماوات والأرض ، وبين حال المشركين والكافرين ، ونبه سبحانه وتعالي إلي حفظ الله تعالي للناس ، وأشار سبحانه إلي ما يكون مكن جزاء يوم القيامة للكافرين . وذكر قصة موسى وهارون مع فرعون ، وقصة إبراهيم مع قومه وإنعامه عليه بالذرية الطيبة ، وذكر سبحانه قصة لوط وقومه وهلاكهم ، وقصة نوح عليه السلام وكفر قومه ، وإبادتهم إلا من آمن ، ثم أشار سبحانه وتعالي إلي قصص سليمان ، وداود ، وأيوب ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذي الكفل ، وذي النون ، وزكريا ، ومريم وابنها عيسى ، وتحدث عن يأجوج ومأجوج ، وبين سبحانه العمل الصالح وثمرته ، وما يجازى به الذين اتقوا وأحسنوا وحالهم يوم القيامة ، ورحمة الله في الرسالة المحمدية ، وإنذار الله للمشركين ، وأن الأمر له يحكم وهو خير الحاكمين .

1- دنا للمشركين وقت حسابهم يوم القيامة ، وهم غافلون عن هوله ، معرضون عن الإيمان به .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ} (1)

مقدمة السورة:

مكية في قول الجميع ، وهي مائة واثنتا عشرة آية .

قوله تعالى : " اقترب للناس حسابهم " قال عبد الله بن مسعود : الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول ، وهن تلادي ، يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التّلاد . وروي أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبني جدارا فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة ، فقال الذي كان يبني الجدار : ماذا نزل اليوم من القرآن ؟ فقال الآخر : نزل " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون " فنفض يده من البنيان ، وقال : والله لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب . " اقترب " أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم . " للناس " قال ابن عباس : المراد بالناس هنا المشركون بدليل قوله تعالى : " إلا استمعوه وهم يلعبون " إلى قوله : " أفتأتون السحر وأنتم تبصرون " . وقيل : الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ، يدل على ذلك ما بعد من الآيات ، ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله ، وطابت نفسه بالتوبة ، ولم يركن إلى الدنيا ، فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب ، وكل آت قريب ، والموت لا محالة آت ، وموت كل إنسان قيام ساعته ، والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان ، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى . وقال الضحاك : معنى " اقترب للناس حسابهم " أي عذابهم يعني أهل مكة ؛ لأنهم استبطؤوا ما وعدوا به من العذاب تكذيبا ، وكان قتلهم يوم بدر . النحاس ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس ؛ لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير . " وهم في غفلة معرضون " ابتداء وخبر . ويجوز النصب في غير القرآن على الحال . وفيه وجهان : أحدهما : " وهم غفلة معرضون " يعني بالدنيا عن الآخرة . الثاني : عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . وهذا الواو عند سيبويه بمعنى " إذ " وهي التي يسميها النحويون واو الحال ؛ كما قال الله تبارك وتعالى : " يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " {[11212]} [ آل عمران : 154 ] .


[11212]:راجع جـ 4 ص 242.