غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ} (5)

1

ثم قال { ولا أنا عابد } في الحال { ما عبدتم ولا أنتم } في الحال بعابدين لمعبودي . وعلى هذا القول زعم بعضهم أن الأمر بالعكس ، إذ الترتيب أن ينفى الحال أوّلاً ثم الاستقبال ، وللأولين أن يجيبوا بأنهم إنما دعوه إلى عبادة غير الله في الاستقبال ، فكان الابتداء به أهم . وفائدة الإخبار عن الحال وكان معلوماً أنه ما كان يعبد الصنم ، والكفار كانوا يعبدون الله في بعض الأحوال هي أن لا يتوهم أحد أنه يعبد غير الله سراً خوفاً أو طمعاً ، وعبادة الكفار لم تكن معتدّاً بها لأجل الشرك . ولأبي مسلم قول ثالث هو أن ما في الأولين بمعنى الذي ، وأما في الآخرين فمصدرية ، أي ولا أنا عابد عبادتكم المبنية على الإشراك ، ولا أنتم عابدون عبادتي المبنية على اليقين . ووجه رابع وهو أن يحمل الأول على نفي الالتماس الصادر عنهم ، والآخر على النفي المطلق العام المتناول لجميع الجهات ، كمن يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعم ، فيقول : لا أظلم لغرض التنعم ؛ بل لا أظلم رأساً ، لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض . قوله { ما تعبدون } ليس فيه إشكال ، إنما الإشكال في قوله { ما أعبد } فأجيب بعد تسليم أن " ما " ليست أعم بأن المراد به الصفة ، كأنه قيل : لا أعبد الباطل ، ولكن أعبد الحق ، أو هي " ما " المصدرية على نحوم ما مر ، أو هي للطباق كقوله { وجزاء سيئة سيئة } [ الشورى :40 ] ، فإن قيل : لما كان المقام مقام التأكيد والمبالغة ، ولهذا كرر ما كرر ، فلم لم يقل " لن أعبد " كما قال أصحاب الكهف { لن ندعو من دونه إلهاً } [ الكهف :14 ] . قلت : إن أصحاب الكهف كانوا متهمين بعبادة الأصنام ؛ لأنه قد وجد منهم ذلك قبل أن أرشدهم الله ، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن متهماً بذلك قط يحتج إلى المبالغة ب " لن " . ثم أوّل السورة لما اشتمل على التشديد البليغ ، وهو النداء بالكفر والتكرير .

/خ6