تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

وبعد تنزيه ربه ، وتبرئة نفسه مما نُسب إليه ، بيّن المسؤول حقيقةَ ما قاله لقومه وأن ذلك لم يتعدّ تبليغ الرسالة التي كُلِّف بها ، وأنه أعلن عبوديته وعبوديتهم لله ، ودعاهم إلى عبادته .

ما قلتُ لهم إلا ما أمرتَني بتبليغه لهم . قلتُ لهم : اعبدوا الله وحده مالك َ أمري وأمركم ، وأنك ربي وربهم ، وأنني عبد من عبادك مثلهم .

{ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } كنت قائما عليهم أراقبُهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون مدة وجودي بينهم .

{ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }

فلمّا انتهى أجل إقامتي الذي قدّرتَه لي بينهم ، وقبضتني إليك ، ظللتَ أنت وحدك المطلع عليهم ، لأني إما شهِدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهُرهم ، فكل شيء غيّروه بعدي لا عِلم لي به ، وأنت تشهَد

على ذلك كله .

وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله تعالى قد توفّى عيسى ابنَ مريم ثم رفعه إليه ، فيما تفيد بعض الآثار أنّه حيّ عند الله . وليس هناك أي تعارض ، فإن الله تعالى قد توفّاه من حياة الأرض ، لكنّه حيٌّ عنده ، مثل بقيّة الشهداء . . فهم يموتون في الأرض وهم عند الله أحياء . أما صورة حياتهم عند ربهم فشيء لا نعرف كيفَه .

وقد جاء في إنجيل يوحنا نص صريح بأن المسيح رسول : «وهذه هِي الحياةُ الأبدية ، أن يعرفوك أنت الإلَه الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته » . فالتبديل في العقيدة والتغيير ، إنما حدث بعد غياب المسيح .

وقد تكلم المفسّرون والعلماء في موضوع الرفع الذي نطرقه وأطالوا في ذلك ، وقد بحث أستاذنا المرحوم الشيخ محمود شلتوت هذا الموضوع مستفيضا في فتاواه ، وخلاصة ما قال : «والمعنى أن الله توفى عيسى ورفعه إليه وطهره من الذين كفروا .

وقد فسّر الألوسي قوله تعالى { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } بمعنى : إني مُسْتوفٍ أجَلَك ومميتُك حتفَ أنفك لا أسلِّط عليك من يقتُلُك ، وهو كنايةٌ عن عصمته من الأعداء وما كانوا بصدَدِه من الفتك به عليه السلام .

وظاهرٌ أن الرفع- الذي يكون بعد استيفاء الأجَل هو رفْع المكانةٍ لا رفع الجسد ، خصوصاً وقد جاء بجانبه قولُه : { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } مما يدل على أن الأمر أمرُ تشريفٍ وتكريم .

وقد جاء الرفع في القرآن كثير بهذا المعنى ، { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ } ، { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ } ، { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ، { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } ، { يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ } . إلى أن يقول { وبعد } ، فما عيسى إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبلِه الرسل ، ناصَبَه قومُه العداء ، وظهرت على وجوههم بوادرُ الشر بالنسبة إليه ، فالتجأ إلى الله ، فأنقذه الله بعزته وحكمته وخيّب مكر أعدائه . هذا هو ما تضمنته الآيات { فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله } إلى آخرها ، بين الله فيه قوة مَكره بالنسبة إلى مكرهم ، وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع إذ قال : { يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } ، فهو يبشِّرُه بإنجائه من مكرِهم وردِّ كيدهم في نحورهم ، وأنه سَيَستوفي أجَله حتى يموت من غير قتل ولا صلب ، ثم يرفعه الله إليه . الخ .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

قوله : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } ذلك إقرار خالص من عيسى عليه السلام وفي غاية الأدب والخضوع لله إذ ينفي عن نفسه دعوتهم أن يتخذوه وأمه إلهين ، فيقول ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول وهو { أن اعبدوا الله ربي وربكم } أن ، تأتي هنا مفسرة بكسر السين . والمفسر ، بالفتح هو الهاء في " به " الراجع إلى القول المأمور به . أي ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به . وذلك القول هو أن أقول لهم : { اعبدوا الله ربي وربكم } .

قوله : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت رقيبا وشاهدا على أفعالهم وأقوالهم { ما دمت فيهم } ما في موضع نصب على الظرفية الزمانية . أي مدة دوامي فيهم .

قوله : { فلما توفتني كنت أنت الرقيب عليهم } توفيتني يعني قبضتنى بالرفع إلى السماء . يقال : توفيت المال إذا قبضته . وقيل : الوفاة في القرآن على ثلاثة أوجه : وفاة الموت وقت انقضاء الأجل . ووفاة النوم . ووفاة الرفع إلى السماء . وهو المقصود هنا . فقد رفع الله إليه عيسى ابن مريم . وهو الآن حي في السماء ولسوف ينزل إلى الأرض إيذانا بقيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويدعو الناس إلى ملة الإسلام ، دين الفطرة والتوحيد . والمراد هنا . فلما قبضتني إليك بالرفع إلى السماء كنت أنت الحفيظ عليهم دوني ، لأني إنما شهدتهم وأنا بين أظهرهم .

قوله : { وأنت على كل شيء قدير } أنت تشهد على كل شيء ، لأنه لا يخفى عليك شيء . أما أنا فإنما شهدت بعض أقوالهم وأفعالهم وأنا مقيم بين أظهرهم . فأنت الشهيد لي وأنا بينهم . وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم .