هي السورة السادسة من سور القرآن الكريم ، وهي مكية ، وآياتها مئة وخمس وستون نزلت بعد الحجر ، وقد نزلت جملة واحدة على قول معظم المفسرين والرواة . أما تاريخ نزولها فغير معروف بالضبط ، ولكن أقرب الأقوال أنها نزلت في السنة الخامسة أو السادسة من البعثة . ويعود ترجيح ذلك إلى تعدد الموضوعات التي تناولتها ، والتوسع في عرضها الذي تلمح منه الدعوة والجدل مع المشركين ، بسبب من طول الأعراض من طرفهم وإصرارهم على تكذيب رسول الله . وكل هذا يقتضي التوسع في عرض القضايا العقيدية على هذا النحو .
وفي المصحف الأميري أنها مكية إلا الآيات " 20 ، 23 ، 91 ، 92 ، 114 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153 " .
أما الرواية عن قتادة وابن عباس فتقول إن السورة كلها مكية نزلت في ليلة واحدة جملة واحدة ، ما عدا آيتين منها نزلتا بالمدينة ، هما قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره . . } إلى قوله { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ( 91 ) نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين . وقوله تعالى : { وهو الذي أنشأ جنات معروشات الآية . . . } ( 141 ) نزلت في قيس بن ثابت أو في معاذ بن جبل .
ولسورة الأنعام منهج خاص في معالجتها للقضايا يخالف منهج السور المدنية الأربع التي سبقتها ، وهي : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة . فهذه السور تشترك كلها في هدف واحد ، هو تنظيم شئون المسلمين بالتشريع لهم على اعتبارهم أمة مستقلة ، وبإرشادهم إلى مناقشة جيرانهم أهل الكتاب فيما يتصل بالعقيدة والأحكام ، وإلى الأساس الذي يرجعون إليه ويحكمونه في التعامل معهم في السلم والحرب . وقلما تعرض هذه السور إلى شيء من شئون الشرك ومناقشة المشركين ، كما تفعل سورة الأنعام . ومع اشتراك هذه السور في أصل الهدف العام ، فإنها تختلف قلة وكثرة فيما تتناوله من التشريع الداخلي الخاص بالمسلمين ، والتشريع الخارجي بينهم وبين من يخالفهم في الدين .
أما سورة الأنعام فإنها تتميز عن تلك السور من حيث أهدافها ، فهي ، كسورة مكية ، لم تعرض لشيء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين ، كالصوم والحج في العبادات ، والعقوبات في الجنايات ، والمداينة والربا في الأموال ، وأحكام الأسرة في الأحوال الشخصية .
كذلك لم تذكر شيئا عن القتال ومحاربة الخارجين على الدعوة ، كما لم تتحدث في شيء عن أهل الكتاب ، ولا طوائف المنافقين . ولا نجد في السورة نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة تنظمها وحدة الإيمان ، لأن المجتمع الإسلامي ما كان قد تكون في تلك الفترة .
وتنهج سورة الأنعام منهجا خاصا في معالجتها للقضايا الكبرى التي شغلت العقول منذ القدم ، فتبدأ بالحمد لله ، تثبت استحقاقه وحده له ، وتسير في طريق نوع من أنواع التربية العامة ، وهو ذكر نوع الخلق والإيجاد للكائنات وظواهرها ، { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .
ثم تسير في وصف عظمة الله في آياته الكونية ، سمائه وأرضه ، وتعرض لاستدلال إبراهيم على وحدانية الله بظاهرة البزوغ والأفول للأجرام السماوية التي لا ينفك الإنسان يقلب بصره فيها .
وأخيرا تقول في نتيجة هذا السبح الطويل : { بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، ذلكم ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ، لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ، ومن عمي فعليها ، وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات ، وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } .
فسورة الأنعام عرضت للعناصر الدينية الأولى ، وهي القضايا الكونية الكبرى التي شغلت العقل البشري منذ نظر في الآفاق . وقد كانت هذه القضايا من قديم الزمن ميدانا لاختلاف النظر ، واختلاف ما يدين به الإنسان في خلق العالم ، قديما وحاضرا . والواقع أن هذه القضايا هي التي تحاول نتائجها الإجابة عن أسئلة ثلاثة تتفاعل في نفس الإنسان وكثيرا ما يقف العقل البشري أمامها حائرا مضطربا .
وهذه القضايا هي : قضية الألوهية وعبادة الله ، وقضية الوحي والرسالة ، وقضية البعث والجزاء .
وقد تناولت سورة الأنعام هذه القضايا التي لو عرفتها البشرية وآمنت بها حق الإيمان ، لتخلصت من ظلمات المادة القاتلة ، واستخدمت تلك المادة في بلوغ أقصى درجات السعادة ، وحققت حكمة الله في خلق الإنسان ، وفي إرسال الرسل إلى الناس .
وقد جاء في تضاعيف هذه السورة تصوير متكرر بعبارات مختلفة وأساليب متعددة في هذه القضايا الثلاث .
قضية الألوهية : فمن تصوير قضية الألوهية : { قل أغير الله أتخذ وليا ، فاطر السماوات والأرض } . { قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } . { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } . { قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } . { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ، وهو على كل شيء وكيل } . { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له } . { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } .
قضية الوحي والرسالة : ومن تصوير قضية الوحي والرسالة : { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } . { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } . { اتبع ما أوحي إليك من ربك } { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } . { الله أعلم حيث يجعل رسالته } .
قضية البعث : ومن تصوير قضية البعث : { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا يرب فيه } . { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ، وللدار الآخرة خير للذين يتقون ، أفلا تعقلون } { لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون } . { ويوم يقول كن فيكون ، قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور } . { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } .
هذه نماذج من تصوير سورة الأنعام للقضايا الثلاث التي دار حديثها حولها . وهو تصوير يحمل توجيها واضحا وقويا إلى الحجة والبرهان ، وحسب المنصف في نظره وتدبره أن ينظر فيتفهمه على وجهه الحق ويدرك إشارته وإيحاءه .
ثم تنتهز السورة من الحديث في التحليل والتحريم فرصة لدعوة الناس إلى ما حرم الله في وصايا عشر ، ترجع إلى العقيدة وإلى الأموال والأنفس والمعاملة والفواحش والعدل والوفاء بالعهد . ثم تكون الوصية العاشرة : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } .
ثم تختم السورة – بعد أن تقطع أعذار المشركين وتتوعدهم على الإعراض عن الحق – بآية تكشف للإنسان مكانته عند ربه في هذه الحياة ، فهو خليفة في الأرض ، جعل الله عمارة الكون تحت يديه . وقد فاوت الخالق في المواهب بين أفراد الإنسان لغاية سامية وحكمة عظيمة ، هي الابتلاء في مواقف هذه الحياة . { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم }
ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن في تركيز الدعوة الإسلامية ، تقرر حقائقها وتفند شبه المعارضين لها ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن تنزل جملة واحدة ، وقد شاركها في البدء بالحمد أربع سور مكية هي : الفاتحة ، والكهف ، وفاطر ، وسبأ .
يقول الإمام القرطبي في تفسيره : " قال العلماء : إن هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ، ومن كذب بالبعث والنشور . وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة " .
مناسبة هذه السورة لما قبلها : إن من نظر في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد روعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة . ومن الحكمة أن في ذلك عونا على تلاوته وحفظه ، فالناس يبدأون بقراءته من أوله ، فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئين ، فالمثاني ، فالمفصل أنفى للملل وأدعى إلى النشاط . ويبدأون من آخره ، لأن ذلك أسهل على الأطفال . ولكن في كل قسم من الطوال والمئين والمفصل تقديما لسور قصيرة على سور أطول منها ، ومن حكمة ذلك أنه قد روعي التناسب في معاني السور مع التناسب في السور ، أي مقدار الطول والقصر .
والسبع الطوال أولها البقرة وآخرها التوبة . وسور المئين ما كانت آياتها أكثر من مائة أو قريبا منها . والمثاني ما كانت آياتها أقل من مائة مما قبل المفصل ، وقد سميت مثاني لأنها ثانية المئين أو لأنها تثنى وتعاد كثيرا في التلاوة- وسميت الفاتحة المثاني لهذا المعنى أيضا . أما المفصل فقد سمي كذلك لكثرة الفصل بين سوره .
وقد تقدم سورة الأنعام أربع سور طوال مدنية ، وجاء بعدهن سورتا الأنعام والأعراف المكيتان ، وبعدهما سورتا الأنفال والتوبة المدنيتان ، وتقعان في أوائل الربع الثاني من القرآن . وما بعدهما من سور النصف الأول من القرآن كله مكي . وسور الربع الثالث كلها مكية ، إلا سورة النور فإنها مدنية ، وسورة الحج فهي مختلطة . أما الربع الرابع فهو مختلط وأكثره سور المفصل التي تقرأ في الصلاة . وهنا يحسن أن نبين مناسبة جعل سورتي الأنعام والأعراف المكيتين بعد السور الأربع المدنية وقبل الأنفال والتوبة ، ثم مناسبة الأنعام للمائدة .
إن سورة البقرة أجمع سور القرآن لأصول الإسلام وفروعه ، ففيها بيان التوحيد والبعث والرسالة العامة والخاصة ، وأركان الإسلام العملية . وفيها بيان الخلق والتكوين ، وأحوال أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في دعوة القرآن ، ومحاجة والجميع . فيها بيان أحكام المعاملات المالية ، والقتال ، والزوجية ، والسور الطوال التي بعدها متممة لما فيها ، فالثلاث الأولى منها مفصلة لكل ما يتعلق بأهل الكتاب ، لكن البقرة أطالت في محاجة اليهود خاصة ، وأطالت آل عمران في محاجة النصارى في نصفها الأول ، وحاجتهم سورة النساء في أواخرها ، واشتملت في أثنائها على بيان شئون المنافقين مما أجمل في سورة البقرة . ثم أتمت سورة المائدة محاجة اليهود والنصارى فيما يشتركان فيه وفيما ينفرد كل منهما به .
ولما كان أمر العقائد هو الأهم المقدم في الدين ، وكان شأن أهل الكتاب فيه أعظم من شأن المشركين ، قدمت السور المشتملة على محاجتهم بالتفصيل ، وناسب أن يجيء بعدها ما فيه محاجة المشركين بالتفصيل . وتلك سورة الأنعام لم تستوف مثله سورة مثلها ، فهي متممة لشرح ما في سورة البقرة مما يتعلق بالعقائد .
وجاءت سورة الأعراف بعدها متممة لشرح ما فيها ومبينة لسنن الله تعالى في الأنبياء والمرسلين وشئون أممهم معهم . وهي حجة على المشركين وأهل الكتاب جميعا . لكن سورة الأنعام فصلت الكلام في إبراهيم الذي ينتمي إليه العرب وأهل الكتاب في النسب والدين ، فيما فصلت سورة الأعراف الكلام في موسى الذي ينتمي إليه أهل الكتاب ويتبع شريعته جميع أنبيائهم حتى عيسى ابن مريم .
ولما تم بهذه الصورة تفصيل ما أجمل في سورة البقرة من العقائد في الإلهيات والنبوات والبعث ، ناسب أن يذكر بعدها تكملة ما أجمل فيها من الأحكام ، ولا سيما أحكام القتال والمارقين والمنافقين .
وبذلك يتبين أن ركن المناسبة الأعظم بين سورتي المائدة والأنعام أن المائدة معظمها في محاجة أهل الكتاب ، والأنعام في محاجة المشركين . ومن التناسب بينهما في الأحكام أن سورة الأنعام قد ذكرت أحكام الأطعمة المحرمة في دين الله والذبائح بالإجمال ، فيما ذكرت سورة المائدة ذلك بالتفصيل .
والخلاصة : أن سورة الأنعام نبهت الناس إلى الكون وما فيه من دلالة على عظم المنشئ وجلاله ووحدانيته ، كذلك تضمنت السورة قصص بعض النبيين ، بدءا بقصة إبراهيم ، وكيف أنه أخذ معنى الوحدانية من مطالعة كتاب الكون ، انطلاقا من النجوم ، فالقمر ، ثم الشمس ، وانتهى إلى عبادة الله وحده ، كما وجهت الأنظار إلى عجائب الخلق : كيف ينبت الحي الرطب من الجامد اليابس ، وكيف ينفلق الحب فيكون منه النبات .
وقد ذكرت السورة صفات الجاحدين ، وكيف يتعلقون بأوهام تبعدهم عن الحق وتضلهم . ومن ذلك انطلقت إلى بيان هذه الأوامر التي هي خلاصة الإسلام والأخلاق الحميدة ، وهي : تحريم الشرك ، والزنى ، وقتل النفس ، وأكل مال اليتيم ، ووجوب إيفاء الكيل والميزان ، وتحقيق العدالة ، والوفاء بالعهد ، والإحسان إلى الوالدين ، ومنع وأد البنات . وهذه التي سماها بعض العلماء " الوصايا العشر " .
هذه سورة الأنعام في جملتها ، وفي أسلوبها ، وفي مقارنتها بسواها ، وفيما امتازت به عن غيرها . ومن ذلك يظهر أنه لا مجال للقول بأن بعضها مدني ، ولا بأن آية كذا نزلت في حادثة كذا . أنها كلها جملة واحدة ، نزلت لغاية واحدة هي تركيز الدعوة بتقرير أصولها ، والدفاع عنها ، على الوجه الذي بيناه .
الحمد : الثناء الحق والذكر الجميل .
الظلمة : الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه ، والنور قسمان : حِسّي وهو ما يدرك بالبصر ، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة .
الجَعل : الإنشاء والإبداع كالخلق ، إلا أن الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية ، وبالتشريعي كما في قوله تعالى : « ما جعل الله من بَحيرة ولا سائبة »الآية .
ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً ، والظلمة إلا جمعاً . وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره ، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه ، ومصادر ذلك كثيرة . وكذلك حال النور المعنوي ، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة . فالحق واحد لا يتعدد ، والباطل الذي يقابله كثير . والهدى واحد ، والضلال المقابل له كثير . وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود ، فقد وُجدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك ، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة . وإلى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو : « إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم رشّ عليهم من نوره ، فمن أصابه نورُه اهتدى ، ومن أخطأهُ ضل » رواه أحمد والترمذي . ويؤيده قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ ، فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ أتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } .
ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود ، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر ، وغير الكسبيِّ منه الوحي ، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
يعدلون : يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة ، أي : يتخذون له أندادا .
الثناء والذِكر الجميل لله ، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه ، وأوجد الظلمات والنور لمنفعة العباد . ثم مع هذه النعم الجلية يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة ! !
بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى ، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي أشرنا إليها : الألوهية ، الوحي والرسالة ، وقضية البعث بعد الموت ، فقررت في أولاها ما يوجب النظَر في التوحيد ، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره ، وأهابت بالعقول أن تلتفت إلى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة ، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء ، لأن الله هو وحده المصدر ، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس إلى غيره ، فما أضلَّ أولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق .
ففي الآية الكريمة إشارة إلى عظمة الخلق ووحدته ، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله : فالسماوات بنجومها وكواكبها ، والأرض وما عليها من حيوان ونبات ، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة ، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء ، كلها تدل على وحدانية الخالق . وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة ، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف . . . كل هذا يدل على إبداع الخالق .
هذه السورة مكية . وهي تتضمن فيضا من المعاني والمواعظ والمشاهد والحقائق بما يرسخ في الواقع البشري عقيدة التوحيد وحقيقة الألوهية المطلقة الكبرى لله وحده . وذلك في الواقع كله مبدوء بالثناء الأكبر من الله على ذاته العظيمة ، إذ خلق العالمين جميعا وخلق كل شيء في هذا الكون الواسع . سواء في ذلك الأحياء والجوامد والكائنات جميعا . وتتضمن السورة تنديدا بالمشركين الذين أعرضوا عن آيات الله وما فيها من حجج ودلائل . والذين لجوا في كفرهم لجوجا فسقطوا في الضلالة وفرط الجحدود حتى إنهم لو رأوا كتاب الله يتنزل عليهم من السماء في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقالوا مكابرين معاندين : { إن هذا إلا سحر مبين } وقالوا أشد من ذلك ، إذ سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل معه من السماء ملك يشهد له بصدق نبوته . وتتضمن السورة أيضا تحنانا من الله لرسوله الكريم بما يخفف عن نفسه وطأة الحزن والاغتمام كيلا يأسى عليهم كثيرا . فيعلمه ربه أنه قد استهزئ برسل آخرين من قبله فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يتخذونه من قبل هزوا . وفي السورة يأمر الله نبيه الكريم أن يسأل قومه المشركين الضالين عن أعظم الشاهدين له بصدق ما أنيط به من النبوة والرسالة ، ليقرر بعد ذلك أن الله هو الشاهد له على أنه الحق وأنه مرسل من ربه ، يأتيه الوحي من السماء وكفى بالله شهيدا . وفي السورة بيان عن حال المشركين يوم القيامة حين يجمعهم الله مقهورين أذلة في أرض المحشر ليلاقوا الويل وضروب العذاب . وهنالك يسألهم الله وملائكته عن الشركاء الذين اصطنعوهم في الدنيا ليعبدوهم مع الله فينكرون أنهم فعلوا ذلك ، ينكرون أنهم كانوا مشركين { قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } .
وفي السورة إخبار عن أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كان يدفع الأذى عن رسول الله ويرد عنه كيد المشركين المعتدين إذا ما أرادوا أن ينالوا منه نيلا . لكنه مع ذلك كان ينأى بنفسه عن الدخول في الإسلام . وهو مقتضى قوله تعالى : { وهم ينهون عنه وينئون عنه } .
وفي السورة تزهيد للإنسان في الحياة الدنيا ، فما هي إلا لهو ولعب ، إذ تنشغل بها القلوب والأذهان عن طاعة الله وعن التوجه إلى جنابه . ولا جرم أن الدنيا دار زوال وفناء وإنما البقاء والديمومة في دار القرار ، وهي الآخرة . وتتضمن السورة كذلك تسلية لرسول الله ، إذ أعرض عنه المشركون وكذبوا دعوته وأنكروا نبوته ، فبين الله له أن هؤلاء لا يكذبونك أنت ولكنهم يكذبون الله الذي أوحى إليك . وذلك هو شأن النبيين من قبلك ، إذ كذبتهم أممهم فصبروا على أذاهم وتكذيبهم . ويندد الله بسؤال المشركين للنبي أن يطرد من حوله من المؤمنين الضعفاء كصهيب وعمار وبلال وسلمان كيما يجلسوا هم إليه ويحادثوه . وأنى لرسول الله أن يطرد هؤلاء المؤمنين الكرام الذين بادروا بالتصديق والطاعة .
وتتضمن السورة كذلك ذكرا مستفيضا لحقيقة هائلة من الحقائق الكبريات في هذا الكون . وهي مفتاح الغيب كلها عند الله سبحانه . فهو العليم بالأشياء كافة لدى حدوثها ومن قبل أن تحدث . فما من غيب خفي مستور ولا حدث ولا خبر ، هين أو جلل إلا هو في علم الله وإحاطته .
وفي السورة تحذير من القعود في مقاعد الذين يتناولون الإسلام بالسوء والطعن من الأشقياء والسفهاء والفاسقين . فإن علم المؤمن أنه لا يملك القدرة على التصدي لمثل هؤلاء الضالين الفجرة الذين يتطاولون على الإسلام بالشتائم والسخرية أو الاستخفاف والغمز فلا مساغ له بعد ذلك أن يقعد هذا المقعد . ولا مساغ له كذلك أن يجالسهم أو يحادثهم وهم يخوضون في آيات الله بالسخرية وبالبذيء من القول وهو ساكت واجم لا يريم ولا ينبس .
وفي السورة قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أبيه وقومه بعد أن ظن أن الكوكب ربه . وكذا الشمس . حتى إذا استبان له وجه الحق أبلج أيقن أن الله وحده بيده ملكوت كل شيء وهو الذي فطر السموات والأرض . فهو القاهر القادر الذي عنت له الوجوه ، وخشعت له القلوب ولانت له الجوانح والجوارح .
إلى غير ذلك من المعاني الكبيرة والجليلة التي حوتها هذه السورة العظيمة .
هذه السورة العظيمة مكية في جملتها . وهي أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين . وفيها من أصول العقيدة الثابتة ما تجلى من خلاله بنيان هذا الدين الكبير وما قام عليه من أصول وقيم وتصورات وقد أنزلت هذه السورة ليلا جملة واحدة ومن حولها الملائكة يجأرون بالتسبيح مشيعين . وفي هذا أخرج الحاكم في مستدركه عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق " .
قوله تعالى : { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .
الحمد معناه الثناء . ومنه معنى التعجب والتعظيم للممدوح والخضوع من المادح . فهو أعم من الشكر الذي لا يكون إلا في مقابلة الصنيع{[1114]} .
فقد بدأ الله هذه السورة بالحمد على نفسه الكريمة تقديسا لذاته وتعظيما لجلاله وترسيخا للحقيقة الكبرى وهي الألوهية ليرسو في الأذهان والقلوب أن التعظيم الأكبر إنما يكون لله وحده دون أحد من خلقه .
قوله : { الذي خلق السموت والأرض } الله تعالى حقيق بالمدح الكامل ودوام الثناء لما امتن به على الكون من أنعم وخوارق وعجائب تدير الرأس وتثير الدهش وتبعث على البهر الغامر . ومن جملة ذلك كله خلق السموات والأرض ، على هذه الكيفية الدقيقة الرتيبة المنتظمة . السموات العظام الطباق العلى وما فيهن من أجرام وأنجم وكواكب تمور في أفلاكها الدائرة مورا . وذلك في حركة دائبة مقدورة لا تهدأ إلا أن تحين ساعة الفناء . لا جرم أن ما بثه الله في السموات من خلائق وأشياء كاثرة مبثوثة في أرجاء هذا الكون المعمور ينطق بعظمة الخالق المبدع المقتدر .
الخالق البارئ المتفرد بالألوهية ، المتعالي على الكائنات . وكذلك الأرض وما فيها من عجائب التركيب المنسجم ، ما بين سهول منبسطة رداح ، وجبال رواسي شامخات ، وأبحر هادرة مائجة تثير الهول والوجوم ، وأنهر جارية منسابة عذاب تشق بطون السهول والوهاد من الأرض . إلى غير ذلك من عجائب المناخ واختلاف المواسم بطقوسها وفصولها المتفاوتة المتكاملة التي تسير وفق نظام فلكي مقدر لا يند ولا يتخلف { صنع الله الذي أتقن كل شيء } .
قوله : { وجعل الظلمت والنور } معطوف على { خلق السموت } وهو من جملة الإشعار بعلة الحمد . والظلمات مفعولة لقوله : { وجعل } وهو يتعدى إلى مفعول واحد ، بمعنى خلق{[1115]} . والجعل هنا بمعنى الخلق . وقد اختلفوا في معنى الظلمات والنور . فقد قيل : المراد بالظلمات سواد الليل . وبالنور ضياء النهار . وهو قول أكثر المفسرين . وقيل : معناه : الكفر والإيمان . وقيل : الضلال والهدى . والصحيح أن اللفظ يعم ذلك كله . وقد أفرد النور لشرفه . فهو واحد لا يتعدد ، لأنه الحق . وجمع الظلمات وهي كثيرة وذلك كقوله : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } .
قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } يعدلون ، أي يشركون به غيره . من العدل وهو التسوية . عدل الشيء بالشيء إذا ساواه به . أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . فقد جعلوا لله عدلا وشريكا وهو سبحانه الذي خلق الأشياء كلها وقيل : يعدلون ، من العدل وهو العدول . أي الانصراف عن الإيمان بالله وحده . وقوله { ثم } في أول الآية ، تفيد الاستبعاد . أي استبعاد عدولهم عن الإيمان بالله وعن طاعته وحده بعد وضوح الدلائل على كمال قدرته . أو استبعاد أن يعدلوا بالله غيره من المخاليق الذين اتخذوهم شركاء مع الله .
وقيل : { ثم } ، هنا تفيد التوبيخ والتقبيح لهؤلاء الكافرين الضالين الذين يجعلون لله شريكا وهو الذي خلق كل شيء . فإنه بعد أن تبين لكل ذي لب وبصيرة أن الله خالق الأشياء جميعا ، وأن نعمه على الكون لا تحصى عددا . فإنه مع ذلك كله يتخذ الظالمون المشركون عدلا يعبدونه من دون الله .