بذي القربى : أقرباء الإنسان من أخ وعم وخال ونحوهم .
الجار ذي القربى : الذي قُرب جواره .
الجار الجنب : الجار الذي لا قرابة له ، أو البعيد .
الصاحب بالجنب : الرفيق في السفر ، أو المنقطع إليك .
ابن السبيل : المسافر أو الضعيف .
ما ملكت أيمانكم : الأرقاء العبيد .
بعد أن عالجت السورة أمر الأيتام والنساء والميراث وحفظ الأموال وتنظيم الأسرة ، جاء التذكير هنا بحسن معاملة الخالق ، ثم التذكير بحسن معاملة الناس . فالسورةُ تأمر بأساس الفضائل التي تهذّب النفس وهي عبادة الله والإخلاص له ، كما تأمر بالإحسان في معاملة الناس ، وتخص بالذكر طوائف من الناس ، الإحسانُ إليها إحسان إلى النفس والأسرة وإلى الإنسانية كلها . بذلك تضع للمسلمين أساس الضمان الجماعي ، والتكافل الحقيقي بينهم .
اعبدوا الله وحده ولا تشركوا معه أحدا ، وأحسِنوا إلى الوالدين إحساناً لا تقصير فيه ، لأنهما السبب الظاهر في وجودكم ، وأحسنوا معاملة أقرب الناس إليكم بعد الوالدين ، وإلى اليتامى ، وإلى المساكين الذين افتقروا بسبب عجزهم أو بذهاب الكوارث بأموالهم ، وإلى الجيران سواء منهم القريب أو البعيد . وقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الإحسان إلى الجار مهما كان دينه أو جنسه ، فقد عاد النبي ابن جاره اليهودي ، وذبح ابن عمر شاةً فجعل يقول لغلامه : أهديت لجارنا اليهودي ؟ . . . .
وإكرام الجار من شيم العرب قبل الإسلام ، وزاده الإسلام توكيداً بما جاء في الكتاب والسنة . من إكرامه إرسال الهدايا إليه ، ودعوته إلى الطعام ، وتعاهده بالزيارة والعيادة ونحو ذلك . وهناك حديث الصحيحين المشهور : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه » .
والصاحب بالجنب هو الرفيق في السَّفَر ، وابن السبيل هو المسافر المحتاج ، وما ملكتم من الأرقاء ، كل هؤلاء تجب معاملتهم بالحسنى . . فاللهُ لا يحب من كان متكبراً متعالياً على الناس لا تأخذه بهم رحمة . وفي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال رسول الله : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْرٍ » فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا ، فقال الرسول الكريم : «إن الله جميل يحب الجمال » .
ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى : العدل والفضل{[21399]} ، والترغيب في نواله ، والترهيب من{[21400]} نكاله - إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى ، وختم{[21401]} الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخبر ، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب ، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها ، فكان التقدير حتماً : فاتقوه ؛ عطف عليه ، أو على نحو
{ وسئلوا الله من فضله }[ النساء : 32 ] أو{[21402]} على { اتقوا ربكم } الخُلق المقصود{[21403]} من الخلق المبثوثين على تلك الصفة ، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق ، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال : { واعبدوا الله } أي أطيعوا - الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء - طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل والانكسار ، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال{[21404]} الأوامر واجتناب الزواجر .
ولما كان سبحانه غنياً لم يقبل إلا الخالص ، فقال مؤكداً لما أفهمه ما قبله : { ولا تشركوا به شيئاً } .
ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له ، وكان لذلك درجتان : أولاهما{[21405]} الإيمان ، وأعلاهما الإحسان ، فصار المأمور بذلك مخلصاً في عبادته ؛ أمره بالإحسان في خلافته ، وبدأ بأولى الناس بذلك ، وهو من جعله سبباً لإيجاده فقال - مشيراً إلى أنه لا يرضى له من{[21406]} ذلك إلا درجة الإحسان ، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه ، فلا يزال منعماً على من عداه - : { وبالوالدين } أي وأحسنوا بهما { إحساناً } وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه .
ولما كان مبنى السورة على الصلة لاسيما{[21407]} الذي الرحم ، قال مفصلاً لما ذكر أول السورة تأكيداً له{[21408]} : { وبذي القربى } لتأكد حقهم بمزيد قربهم{[21409]} ، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار ، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله ، أو لمعنى تفسد{[21410]} بالإخلال به ذات البين ، وبدأ بما لله{[21411]} لأنه إذا صح تبعه غيره فقال : { واليتامى والمساكين } أي وإن لم تكن{[21412]} رحمهم معروفة ، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه{[21413]} أضعف ، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره { والجار ذي القربى } أي لأن له حقين{[21414]} { والجار الجنب } أي الذي لا قرابة له ، للبلوى بعشرته{[21415]} خوفاً من بالغ مضرته " اللهم ! إني أعوذ بك من جار{[21416]} السوء في دار المقامة ، فإن جار البادية يتحول " { والصاحب الجنب } أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة { وابن السبيل } أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته { وما ملكت أيمانكم } أي من العبيد والإماء كذلك ، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة " آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم " .
ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم ، ختم الآية ترغيباً فيه وتحذيراً من{[21417]} منعه معللاً للأمر به{[21418]} بقوله : { إن الله } أي بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى{[21419]} { لا يحب } أي لا يفعل فعل المحب مع{[21420]} { من كان مختالاً } أي متكبراً معجباً بنفسه متزيناً{[21421]} بحليته مرائياً بما آتاه الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير ، يأنف من أن ينسب إليه أقاربه الفقراء ، ويقذر{[21422]} جيرانه إذا كانوا ضعفاء ، فلا يحسن إليهم لئلا يلمّوا به فيعيَّر بهم .
ولما كان المختال ربما أحسن رياء ، قال معلماً أنه لا يقبل إلا الخالص : { فخوراً * } مبالغاً{[21423]} في التمدح بالخصال ، يأنف من عشرة الفقراء ، وفي ذلك أتم{[21424]} ترهيب من الخلق المانع من الإحسان ، وهو الاختيال على عباد الله والافتخار عليهم ازدراء بهم ، فإنه لا مقتضى لذلك{[21425]} لأن الكل من نفس واحدة ، والفضل نعمة منه سبحانه ، يجب شكرها بالتواضع لتدوم ، ويحذر{[21426]} كفرها بالفخار خوفاً من أن تزول .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.