لقد ذكر الله في هذه الآية والآيات التي تليها ستة أدلة تثبت وجودَ الخالق الواحد القادر ، ولو تدبَّرها المنصِفون ، وعقَلَها الجاحدون ، لم يجدوا مجالاً للإنكار .
الأول : { أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا } :
أولم يعلم الذين كفروا ولم يبصروا الحق ، أن السمواتِ والأرضَ كانتا في بدء خَلْقِهما ملتصقتين في صورة كتلة واحدة ففصلناهما حتى صارتا في هذا النظام ! وهو ما يسمونه : النظام الشمسي ، ويتكون من الشمس ، يدور حولها تسعة كواكب سيارة هي : عطارد ، والزُّهرة ، والأرض ، والمريخ ، والمشتري ، وزحَل ، وأورانوس ، ونبتون ، وبلوتون ، وعدد من الأقمار يدور حول كل من هذه الكواكب .
ويدخل ضمن هذه الأسرة عدد من الأجسام الصغيرة تقع بين مداري المريخ والمشتري ، وتدور حول الشمس كسربٍ من الطير ، ومن بينهما المذنّبات ، والشُهُب التي نرى الكثير منها يتهاوى في الليل نحو الأرض ، ويتمزّق عند احتكاكه بالغلاف الجوي المحيط بها .
أما بقية الأجرام التي نراها في السماء ليلاً تزين سطح القبة السماوية فهي النجوم ، وهي شموس لا حصر لها ، والكثيرُ منها يَكْبُرُ شمسَنا . وهي بعيدة جدا لا نستطيع الوصول إليها بكل ما لدينا من وسائل حديثة ، والبحث فيها يطول .
ولعلماء الفلك نظريات عديدة في كيفية انفصال هذه الأجرام عن بعضها البعض ، لكن هذا الموضع ليس موضع بحثه . والقرآن الكريم كتاب يهدي الإنسان إلى سعادته في دنياه وآخرته وليس كتاب نظريات في الفلسفة والعلم والفلك وغيره ، وان كان ما يرِدُ فيه
لا يخالف أحدث نظريات العلم والفلك ، واكبر دليل على ذلك هذه الآية العظيمة .
الثاني : { وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } : وخلقنا من الماء كلَّ ما في هذا العالَم من حياة ، فالماء مصدر الحياة لكل نامٍ ، إنساناً كان أو حيواناً أو نباتا ، فهل بعد كل هذا يعرضون ، فلا يؤمنون بأنه لا اله إلا الله !
وتقرر هذه الآية حقيقةً علمية ثابتة ، وهي أن الماء هو المكوِّن الهام في تركيب مادة الخلية ، وهي وَحْدة البناء في كل كائن حيّ . ولقد أثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث التفاعلات والتحولات التي تتم داخل أجسام الأحياء .
وأثبت علم وظائف الأعضاء أن الماء ضروري لقيام كل عضو بوظائفه التي بدونها
{ كانتا رتقا ففتقناهما } الرتق مصدر وصف به ، ومعناه الملتصق بعضه ببعض الذي لا صدع فيه ولا فتح ، والفتق الفتح فقيل : كانت السموات ملصقة بالأرض ففتقها الله بالهواء ، وقيل : كانت السموات ملتصقة بعضها ببعض والأرضون كذلك ففتقهما الله سبعا سبعا والرؤية في قوله : { أولم ير } على هذا رؤية قلب ، وقيل : فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات ، فالرؤية على هذا رؤية عين .
{ وجعلنا من الماء كل شيء حي } أي : خلقنا من الماء كل حيوان ويعني بالماء المني وقيل : الماء الذي يشرب لأنه سبب لحياة الحيوان ، ويدخل في ذلك النبات باستعارة .
ولما أنكر سبحانه اتخاذهم آلهة من دونه تارة بقيد كونها أرضية ، وتارة {[50758]}بقيد كونها{[50759]} سماوية ، وتارة مطلقة ، لتعم كلا من القسمين وغيرهما ، واستدل على ذلك كله بما لم تبق معه شبهة ، فدل تفرده على أنه لا مانع له مما{[50760]} يريد من بعث ولاغيره ، وكان علمهم لا يتجاوز ما في السماوات والأرض ، قال مستدلاً على ذلك أيضاً مقرراً بما يعلمونه ، أو ينبغي أن{[50761]} يسألوا عنه حتى يعلموه لتمكنهم من ذلك { فاسألوا أهل الذكر } جالياً له في أسلوب العظمة : { أولم } أي ألم يعلموا ذلك بما أوضحنا من أدلته{[50762]} و{[50763]}لم يروا ، ولكنه أظهر للدلالة على أنهم يغطون{[50764]} أنوار الدلائل عناداً فقال : { ير } أي يعلم علماً هو كالمشاهدة { الذين كفروا } أي ستروا ما يعلمون من قدرة الله فأدى ذلك إلى الاستهانة والتنقص{[50765]} فصار ذنبهم غير مغفور{[50766]} ، وسعيهم غير مشكور ، وحذف{[50767]} ابن كثير{[50768]} الواو العاطفة على ما قدرته مما هدى إليه السياق أيضاً ، لا للاستفهام بما دل عليه ختام الآية التي قبل من البعث والجزاء المقتضي للإنكار على من أنكره ، فكان المعنى على قراءته{[50769]} : نجزي كل ظالم بعد البعث ، ألم ير المنكرون لذلك قدرتنا عليه بما أبدعنا من الخلائق ، وإنما أنكر عليهم عدم الرؤية بسبب أن الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بقادر يفصل بينها ، فمن البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها عن الآخر منفصلاً عنه بغير رافع {[50770]}لا سيما إذا كان المرتفع ثابتاً{[50771]} من غير عماد ، فكيف وهو عظيم الجسم كبير الجرم ؟ وذلك دال على تمام القدرة والاختيار والتنزه عن كل شائبة نقص من مكافىء وغيره ، فصح الإنكار عليهم في عدم علم ذلك بسبب أنهم عملوا بخلاف ما يعلمونه{[50772]} { أن السماوات والأرض } .
{[50773]}ولما كان المراد الإخبار عن الجماعتين لا عن الأفراد قال{[50774]} : { كانتا } {[50775]}ولما {[50776]}كان المراد{[50777]} شدة الاتصال والتلاحم ، أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم فقال : { رتقاً } أي ملتزقتين{[50778]} زبدة واحدة على وجه الماء ، والرتق في اللغة : السد ، والفتق : الشق{[50779]} { ففتقناهما } {[50780]}أي بعظمتنا{[50781]} أي{[50782]} بأن ميزنا إحديهما عن الأخرى بعد التكوين المتقن وفتقنا السماء بالمطر ، والأرض بأنواع النبات بعد أن لم يكن شيء من ذلك ، ولا كان مقدوراً على شيء منه لأحد غيرنا ؛ {[50783]}عن ابن عباس{[50784]} رضي الله عنهما وعطاء والضحاك وقتادة : كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففضل الله تعالى بينهما بالهواء . وعن مجاهد وأبي صالح والسدي : كانتا مؤتلفة طبقة{[50785]} واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض{[50786]} كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع{[50787]} طبقات .
ولما كان خلق الماء سابقاً على خلق السماوات والأرض ، قال : { وجعلنا } أي بما اقتضته عظمتنا{[50788]} { من الماء } أي الهامر ثم الدافق{[50789]} { كل شيء حي } مجازاً من النبات وحقيقة من الحيوان ، خرج الإمام أحمد وغيره " عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني عن كل شيء ، فقال : كل شيء خلق من ماء{[50790]} " ولذلك أجاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الذي وجده على ماء بدر {[50791]}وسأله{[50792]} : ممن هو ؟ بقوله : " نحن من ماء " .
ولما كان هذا من تصرفه في هذين الكونين ظاهراً ومنتجاً لأنهما وكل ما فيهما{[50793]} ومن فيهما بصفة العجز عن أن يكون له تصرف ما ، تسبب عنه إنكار عدم إيمانهم فقال : { أفلا يؤمنون* } أي بأن شيئاً منهما أو فيهما لا يصلح للإلهية ، لا على وجه الشركة{[50794]} ولا على وجه الانفراد ، وبأن صانعهما ومبدع النامي من حيوان ونبات منهما بواسطة الماء قادر على البعث للحساب للثواب أو العقاب ، بعد أن صار الميت تراباً بماء يسببه لذلك .