سورة المجادلة مدنية وآياتها ثنتان وعشرون ، نزلت بعد سورة المنافقين . والجزء الثامن والعشرون بكامله مدني ، وسوره تسع ، كلها تعالج أمور المجتمع الإسلامي الجديد بما فيه من أوضاع مستجدة وسكان مختلفي العقائد والمشارب : من السابقين المهاجرين ، والأنصار المخلصين ، والمسلمين الجدد الذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم ، واليهود . وكان لهؤلاء سلطة كبيرة مؤثرة ، ففيهم أصحاب المال والحرف والزراعة ، وهم أهل كتاب يتميزون على غيرهم ، كما أنهم بطبيعتهم متكبرون مختالون . وهناك فئة جديدة نبتت في المدينة ، هم المنافقون الذين كانوا يُظهرون الإسلام خوفا على مصالحهم وطمعا في الغنائم ، ويضمرون الكفر ويتوددون إلى اليهود .
هكذا كان المجتمع في " المدينة " ، فجاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأخذ يبني مجتمعا إسلاميا نظيفا أساسه العدل والمساواة والإخاء بين الناس ، والله تعالى يؤيده بالقرآن الكريم .
وقد نجح النبي على أعلى المستويات في تأسيس دين قويم ، وبناء دولة إسلامية مثالية .
وتعالج سورة المجادلة بعض القضايا التي حدثت في المدينة ، بادئة بمعالجة موضوع كان شائعا في الجاهلية : يغضب الرجل لأمر من الأمور من زوجته فيقول لها : أنت عليّ كظهر أمي ، فتحرم عليه ، ولا تطلق منه ، بل تبقى معلقة ، لا هي حل له فتقوم بينهما الصلات الزوجية ولا هي مطلقة منه فتجد لها طريقا آخر . وكان هذا بعض ما تلاقيه المرأة من العَنت في الجاهلية . روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه عن خولة بنت ثعلبة قالت : فيَّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر هذه السورة ، كنت عنده ، وكان شيخا قد ساء خلقه . فدخل عليّ يوما فراجعته بشيء . فغضب ، فقال : أنتِ علي كظهر أمي . . . فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه ، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه . وجعل الرسول يقول : يا خويلة ، ابنُ عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه .
قالت : فوالله ما برحتُ حتى نزل فيّ قرآن ، فقال لي رسول الله :
يا خويلة ، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا :
{ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ، والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } إلى آخر الآيات . ثم قال لي رسول الله : " مريه فليعتق رقبة " . فقلت : يا رسول الله ما عنده ما يعتق ! قال : " فليصمْ شهرين متتابعين " قلت : والله إنه لشيخ ما له من صيام ! قال : " فليطعم ستين مسكينا وَسْقا من تمر " . قلت : والله يا رسول الله ما ذاك عنده ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإنا سنعينه بعرق من تمر .
قلت : وأنا سأعينه بعرق آخر ، قال :
" أصبت وأحسنتِ ، فاذهبي وتصدقي به عنه ، ثم استوصي بابن عمك خيرا " .
ما أجمل هذا الإسلام ، وما أعظم هذا التشريع { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وهكذا أبطل الإسلام هذه العادة من الجاهلية .
ثم بعد ذلك ينعَى الله في هذه السورة في أكثر من آية على المعاندين لدينه ، ويحذّرهم من التناجي بالإثم والعدوان ، ويرشد المؤمنين إلى أدب المناجاة بين بعضهم البعض ، وبينهم وبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . كما ينعَى على المنافقين موالاتهم لليهود ، ويصفهم بأنهم حزب الشيطان الخاسرون .
وختمت السورة بوصف جامع لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من إيثار رضا الله ورسوله على من عداهما ، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم ، أو عشيرتهم ، ويصفهم بأنهم حزب الله المفلحون .
تُجادلك : تراجعك في أمرها ، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية الأنصارية ، وزوجها : أوس بن الصامت ، أخو عبادة بن الصامت الصحابيّ الجليل المدفون بالقدس .
واللهُ يسمع تحاوركما : يسمع ما يدور بينكما من الكلام .
قد سمع اللهُ قولَ التي تراجعك في موضوع طلاقها من زوجها ، وتشتكي إلى الله ما أصابها ، والله يسمع ما يدور بينكما من المحاورة والكلام { إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } .
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام الدال في السين في قوله : قد سمع . والباقون : بالإظهار : قد سمع ، بإسكان الدال وفتح السين .
{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 1 ) } .
قد سمع الله قول خولة بنت ثعلبة التي تراجعت في شأن زوجها أوس بن الصامت ، وفيما صدر عنه في حقها من الظِّهار ، وهو قوله لها : " أنت عليَّ كظهر أمي " ، أي : في حرمة النكاح ، وهي تتضرع إلى الله تعالى ؛ لتفريج كربتها ، والله يسمع تخاطبكما ومراجعتكما . إن الله سميع لكل قول ، بصير بكل شيء ، لا تخفى عليه خافية .
1- سورة " المجادلة " بفتح الدال وكسرها والثاني أظهر ، لأن افتتاح السورة في المرأة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها - .
وهذه السورة : هي السورة الثامنة والخمسون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة " المنافقون " ، وقبل سورة " مريم " .
وعدد آياتها ثنتان وعشرون آية في المصحف الكوفي والبصري والشامي ، وإحدى وعشرون آية في المصحف المكي والمدني .
2- وهي من السور المدنية الخالصة . ومن قال بأن فيها آيات مكية ، لم يأت بدليل يعتمد عليه في ذلك .
قال القرطبي : " هذه السورة مدنية في قول الجميع ، إلا رواية عن عطاء : أن العشر الأولى منها مدني ، وباقيها مكي . وقال الكلبي : نزل جميعها بالمدينة . غير قوله –تعالى- : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } نزلت بمكة " ( {[1]} ) .
3- وقد افتتحت سورة " المجادلة " بالحديث عن المرأة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها ، وقد أصدر –سبحانه- حكمه العادل في مسألتها ، مبينا حكم الظهار فقال –تعالى- : { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، ذلكم توعظون به ، والله بما تعملون خبير . فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتلك حدود الله ، وللكافرين عذاب أليم } .
4- ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن الذين يحادون الله ورسوله فبينت سوء عاقبتهم ، لأن الله –تعالى- لا يخفى عليه شيء من أحوالهم ، فهو –سبحانه- { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ، إن الله بكل شيء عليم } .
5- ثم وجه –سبحانه- ثلاثة نداءات إلى المؤمنين ، أمرهم في أول نداء بأن يتناجوا بالبر والتقوى . . وأمرهم في النداء الثاني أن يفسح بعضهم لبعض في المجالس . . وأمرهم في النداء الثالث إذا ما ناجوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة .
قال –تعالى- : { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ، فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ، ذلك خير لكم وأطهر ، فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم } .
6- وبعد أن عجبت السورة الكريمة من أحوال المنافقين ، وبينت سوء عاقبتهم ، وكيف أن الشيطان قد استحوذ عليهم ، فأنساهم ذكر الله .
بعد كل ذلك ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين وببيان صفاتهم الكريمة ، فقال –عز وجل- { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ، يوادون من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشريتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه ، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضي الله عنه ورضوا عنه ، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم المفلحون } .
7- هذا ، والمتأمل في سورة المجادلة ، يراها قد بينت حكم الظهار ، وأبطلت ما كان شائعا من أن الرجل إذا ظاهر من زوجته لا تحل له . . وساقت جانبا من فضل الله –تعالى- على عباده ، حيث أجاب دعاء امرأة قد اشتكت إليه ، وقضى في مساءلتها قبل أن تقوم من مكانها ، وهي بجانب النبي صلى الله عليه وسلم تجادله في شأن زوجها .
كما يراها قد كشفت القناع عن المنافقين ، وفضحتهم على أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الذميمة ، وموالاتهم لأعداء الله ورسوله .
كما يراها قد ساقت ألوانا متعددة من الآداب التي يجب على المؤمنين أن يتحلوا بها ، وبشرتهم برضا الله –تعالى- عنهم ، متى أخلصوا له –سبحانه- العبادة والطاعة .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن خولة بنت ثعلبة قالت : فىَّ والله وفي - زوجي - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة .
قالت : " كنت عنده ، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه ، قالت : فدخل علي يوما فراجعته بشىء فغضب ، فقال : أنت علي كظهر أمي .
قالت : ثم خرج فجلس فى نادي قومه ساعة ، ثم رجع ، فإذا هو يريدنى عن نفسي ، فقالت له : كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ ، وقلت ما قلت ، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه .
قالت : فواثبنى ، فامتنعت عنه ، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني .
ثم خرجت إلى بعض جاراتى ، فاستعرت منها ثيابا ، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه ، فذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجي ، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه .
قالت : فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يا خويلة ، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه " .
قالت : فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن ، فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه ، ثم سرى عنه ، فقال لي : " يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا " . ثم قرأ علي هذه الآيات " .
وفى رواية : " أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له : يا رسول الله ، إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب في ، فلما خلا سني ، ونثرت بطنى ، جعلنى عليه كأمه ، وتركنى إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها .
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن " وفى رواية أنه قال لها : " ما أراك إلا قد حرمت عليه " .
فقالت : يا رسول الله ، إنه ما ذكر طلاقا ، وأخذت تجادل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت : اللهم إني أشكو إليك فافتي ، وشدة حالي ، وإن لي من زوجي أولاداً صغاراً ، إن ضمَّهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا .
قالت : وما برحت حتى نزل القرآن ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " يا خولة أبشري " ثم قرأ على هذه الآيات " .
و " قد " فى قوله - تعالى - : { قَدْ سَمِعَ . . . } ؟ .
قلت : " معناه التوقع ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها ، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها " .
والسماع فى قوله - تعالى - : { سَمِعَ } بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة ، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبحانه - لشكواها ، وحكمه فى تلك المسألة ، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية .
وقوله : { تُجَادِلُكَ } من المجادلة ، وهى المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة ، وأصلها من جدلت الحبل : إذا أحكمت فتله .
وقوله : { تشتكي } من الشكو ، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها ، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإنسان لما يؤلمه ويؤذيه ، وطلب إزالته .
والمعنى : قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما ، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها ، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار ، وسمع - سبحانه - شكواها إليه ، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها ، وتفريج كربتها ، وإزالة ما نزل بها من مكروه .
وقال - سبحانه - { التي تُجَادِلُكَ } بأسلوب الاسم الموصول للإشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى ، وفى أقصى درجات التوكل على ربها ، والأمل فى تفريج كربتها ، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها .
وقوله - سبحانه - : { اللَّهِ والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ } جملة حالية ، والتحاور : مراجعة الكلام من الجانبين . يقال : حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله .
أى : والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة ، من مراجعة فى الكلام ، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها .
والمقصود بذلك ، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور ، والتنويه بأهميته ، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية .
وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع ، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور ، واستحضار صورته فى ذهن السامع ، ليزداد عظة واعتبارا .
وجملة : { تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق .
أى : أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات ، ويبصر كل المبصرات ، على أتم وجه وأكمله ، ومن مقتضيات ذلك ، أن يسمع تحاوركما ، ويبصر ما دار بينكما .
قال القرطبي : " أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت : " تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى على بعضه ، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول : يا رسول الله ! ! أكل شبابى ، ونثرت له بطني ، حتى إذا كبر سني . . . ظاهر مني ! ! اللهم إني أشكو إليك .
وفى البخاري عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله - تعالى - : { قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ } .
هذه السورة مدنية وعدد آياتها اثنتان وعشرون . وهي مبدوءة بسبب نزولها وهي المرأة التي جاءت تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجادله في زوجها فأنزل الله قوله : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } وعقب ذلك يأتي البيان بحقيقة الظهار من حيث معناه وحكمه وما يجب فيه من كفارة .
وتتضمن السورة نهيا عن التناجي والاستسرار بالإثم والعدوان مما يثير الريبة والرهبة في نفوس المسلمين .
وفي السورة تعظيم للعلم وتوقير للعلماء إذ { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } .
وفي السورة نهي للمسلمين عن موادة المشركين الذين يحادون الله ورسوله ولو كانوا أقرب الأقربين إليهم . إنما ينشدّ المسلم برباط العقيدة إلى إخوانه المسلمين . فلا يعبأ بغير ذلك من روابط العصبية والنسب . إلى غير ذلك مما تضمنته السورة من المعاني والحقائق والعبر .
{ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } .
روى الإمام أحمد عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات . لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عز وجل : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } إلى آخر الآية .
وفي رواية عن عروة عن عائشة ( رضي الله عنها ) أنها قالت : تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خويلة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذ كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، اللهم إني أشكو إليك . قالت : فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } فالمشتكية إلى الله هي خولة بنت ثعلبة في الأصح . وزوجها هو أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت . ذكر أن خولة قالت : دخل علي ذات يوم وكلمني بشيء وهو فيه كالضجر فراددته فغضب فقال : أنت عليّ كظهر أمي . ثم خرج في نادي قومه ثم رجع إلي فراودني عن نفسي فامتنعت منه ، فشادّني فشاددته فغلبته بما تغلب به المرأة الرجل الضعيف . فقلت : كلا والذي نفس خويلة بيده لا تصل إليّ حتى يحكم الله تعالى فيّ وفيك بحكمه ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أشكو ما لقيت . فقال : " زوجك وابن عمك اتقي الله وأحسني صحبته " . فما برحت حتى نزل القرآن { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } إلى قوله : { إن الله سميع بصير } حتى انتهى إلى الكفارة قال : " مريه فليعتق رقبة " . قلت : يا نبي الله والله ما عنده رقبة يعتقها . قال : " مريه فليصم شهرين متتابعين " قلت : يا نبي الله شيخ كبير ما به من صيام ، قال : " فليطعم ستين مسكينا " قلت : يانبي الله والله ما عنده ما يطعم ، قال : " بلى سنعينه بعرق من تمر مكتل يسع ثلاثين صاعا " قلت : وأنا أعينه بعرق آخر ، قال : " قد أحسنت فليتصدق " {[4472]} .
قوله : { والله يسمع تحاوركما } الجملة في موضع نصب على الحال . أو مستأنفة ، والتحاور بمعنى التجاوب{[4473]} أي والله يسمع ما جرى من تراجع في الكلام ومن تحاور بين رسوله صلى الله عليه وسلم وخولة بنت ثعلبة . قوله : { إن الله سميع بصير } الله يسمع ويرى . فما من صوت ولا همس ولا نبس ولا حركة ولا سكنة ولا حدث إلا يسمعه الله أو يراه .