سورة يونس مكية ، عدد آياتها تسع ومائة ، نزلت بعد سورة الإسراء وقيل بعد سورة هود . وهي كسائر السور المكية تقرر تثبيت العقيدة وأصول الدين .
وقد ابتدأت بالإشارة إلى مكانة الكتاب الكريم ، وما يقوله المشركون في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وموقفهم من حقيقة الوحي ، وكيف يتعجبون من أن الله أوحى إلى رجل منهم لينذر الناس . ثم تأتي إلى ذكر الكون وآيات الله تعالى فيه ، وأنه خلق هذا الكون العجيب في ست مراحل تتضمن أحقابا طويلة ، هي التي عبر عنها بقوله { في ستة أيام } . وقد تجلت قدرة الله في كل ركن من أركان العالم ، ومنها تسخير الشمس والقمر والنجوم لفائدة البشر ، وتعاقب الليل والنهار . ثم ذكرت السورة الجزاء يوم القيامة وسنة الله بالنسبة للكافرين ، والتنديد بهم في عقائدهم . ووصفت حال الناس في الضراء والسراء ، وضعف الإنسان وكيف يتصرف إذا مسه ضر ثم إذا كشف عنه . كما أوردت عجز المعبودات من الأوثان عن أي شيء ، وتحدت المشركين بقولهم إن هذا قرآن مفترى ، أن يأتوا بسورة مثله ، وليستعينوا بمن يشاءون . وفي السورة تهديد شديد بعذاب الله تعالى ، وذكر أحوال نفوس الناس ، ومراقبة الله لأعمالهم ، وأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة ، وإليه مرجع الخلق جميعا .
ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لألمه من كفرهم ، مع قيام الحجة القاطعة عليهم ، وذلك بذكر قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم ، فجاءت قصة نوح ، وقصة موسى وهارون مع فرعون بشيء من التفصيل . كما جاءت إشارة قصيرة إلى قصة يونس ، التي أخذ منها اسم السورة . وهكذا نجد السورة مترابطة فنرى المطلع والختام على وتيرة واحدة .
{ الر ، تلك آيات الكتاب الحكيم ، أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشّر الذين آمنوا . . . } .
وفي الختام يتجه الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام باتباع الوحي :
{ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } . فنجد الترابط في سياق السورة من مطلعها إلى ختامها ، مما يجعلها وحدة متكاملة تدور حول قضية الألوهية والعبودية وبيان حقيقتها ، ( وهذه هي قضية القرآن الكبرى ، والمكي منه بصفة خاصة ) وأن حياة البشر في الأرض لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة في اعتقادهم وتصورهم ، وفي حياتهم وواقعهم .
لقد ذكر يونس عليه السلام باسمه في القرآن أربع مرات : " سورة النساء آية 163 ، والأنعام : آية 98 ، الصافات آية 139 ، وهنا في سورة يونس . وذكر بوصفه في سورة الأنبياء في قوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا } ، وفي سورة القلم في قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم } .
ولم يعلم عن نسبه في كتب الحديث أو التفسير شيء إلا أنه " يونس بن متى " ، وفي كتب أهل الكتاب أنه " يونان بن أمتاي " .
وفي معجم البلدان : " حلحول " ، قرية بين البيت المقدس وقبر إبراهيم الخليل وبها قبر يونس بن متى عليهما السلام ، وهي معروفة إلى الآن بهذا الاسم .
الر : هذه الحروف تقرأ ساكنةَ غير معربة هكذا «ألف . لام . را » ، وقد بدأ الله تعالى بها السورة لتنبيه السامع إلى ما يتلى عليه ، وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن مكون من مثل هذه الحروف ، ومع ذلك عجزتم أيها المشركون عن أن تأتوا بمثله .
سورة يونس عليه السلام مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات من قوله تعالى : " فإن كنت في شك{[1]} " [ يونس : 94 ] إلى آخرهن . وقال مقاتل : إلا آيتين وهي قوله : " فإن كنت في شك " نزلت بالمدينة . وقال الكلبي : مكية إلا قوله : " ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به{[2]} " [ يونس : 40 ] نزلت بالمدينة في اليهود . وقالت فرقة : نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة .
قوله تعالى : " الر " قال النحاس : قرئ على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي بن الحسن بن حريث قال : أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدثه عن ابن عباس : الر ، وحم ، ونون حروف الرحمن مفرقة ، فحدثت به الأعمش فقال : عندك أشباه هذا ولا تخبرني به ؟ . وعن ابن عباس أيضا قال : " الر " أنا الله أرى . قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ؛ لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد :
بالخير خيراتٍ وإنْ شَرًّا فَا *** ولا أريد الشّرَّ{[8411]} إلا أنْ تَا
وقال الحسن وعكرمة : " الر " قسم . وقال سعيد عن قتادة : " الر " اسم السورة . قال : وكذلك كل هجاء في القرآن . وقال مجاهد : هي فواتح السور . وقال محمد بن يزيد : هي تنبيه ، وكذا حروف التهجي . وقرئ " الر " من غير إمالة . وقرئ بالإمالة لئلا تشبه ما ولا من الحروف .
قوله تعالى : " تلك آيات الكتاب الحكيم " ابتداء وخبر ؛ أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم . قال مجاهد وقتادة : أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، فإن " تلك " إشارة إلى غائب مؤنث . وقيل : " تلك " بمعنى هذه ، أي هذه آيات الكتاب الحكيم . ومنه قول الأعشى :
تلك خيلي منه وتلك ركابي*** هن صفر أولادها كالزبيب
أي هذه خيلي . والمراد القرآن وهو أولى بالصواب ؛ لأنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر ، ولأن " الحكيم " من نعت القرآن . دليله قوله تعالى : " الر كتاب أحكمت آياته{[8412]} " [ هود : 1 ] وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة{[8413]} " . والحكيم : المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام . قاله أبو عبيدة وغيره . وقيل : الحكيم بمعنى الحاكم ، أي إنه حاكم بالحلال والحرام ، وحاكم بين الناس بالحق ، فعيل بمعنى فاعل . دليله قوله : " وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه{[8414]} " [ البقرة : 213 ] . وقيل : الحكيم بمعنى المحكوم فيه ، أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر ، وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ، فهو فعيل بمعنى المفعول ، قاله الحسن وغيره . وقال مقاتل : الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف ، فعيل بمعنى مفعل ، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.