تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

المفردات :

ضربُ المثل ، إيرادهُ ، ليُتمثل به ، ويُتصوّر ما أراد المتكلم بيانه . يقال : ضرب الشيءَ مثلاُ ، وضرب به مثلاً ، وتمثّله به . وقد وردت عبارة ضرب المثل في القرآن في عدة آيات : { واضرب لهُمْ مَّثَلاً } [ الكهف : 32 ] { يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ . . . } [ الحج : 73 ] . . { واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية } [ يس : 13 ] .

وهذه الآية جاءت رداً على الكفرة المعاندين ، حيث قالوا : أما يستحي ربُّ محمد أن يضرب مثَلاً بالذباب والعنكبوت ! فبّين الله تعالى أنه لا يعتريه ما يعتري الناسَ من استحياء ، فلا مانع من أن يصوّر لعباده ما يشاء من أمورٍ ، بأي مثل مهما كان صغيرا ، بعوضة فما فوقها . فالذين آمنوا يعلمون أن هذا حق من الله ، أما الذين كفروا ، فيتلقّونه بالاستنكار . وفي ذلك يكون المثل سبباً في ضلال الذين يجانبون الحق ، وسبباً في هداية المؤمنين به .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }

يقول تعالى { إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا } أي : أيَّ مثل كان { بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } لاشتمال الأمثال على الحكمة ، وإيضاح الحق ، والله لا يستحيي من الحق ، وكأن في هذا ، جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة ، واعترض على الله في ذلك . فليس في ذلك محل اعتراض . بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم . فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر . ولهذا قال : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } فيتفهمونها ، ويتفكرون فيها .

فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم ، وإلا علموا أنها حق ، وما اشتملت عليه حق ، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا ، بل لحكمة بالغة ، ونعمة سابغة .

{ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } فيعترضون ويتحيرون ، فيزدادون كفرا إلى كفرهم ، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ولهذا قال : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية . قال تعالى : { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ } فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية ، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [ وضلالة ] وزيادة شر إلى شرهم ، ولقوم منحة [ ورحمة ] وزيادة خير إلى خيرهم ، فسبحان من فاوت بين عباده ، وانفرد بالهداية والإضلال .

ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى{[78]}  فقال : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ } أي : الخارجين عن طاعة الله ، المعاندين لرسل الله ، الذين صار الفسق وصفهم ، فلا يبغون به بدلا ، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى ، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة .

والفسق نوعان : نوع مخرج من الدين ، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان ، كالمذكور في هذه الآية ونحوها ، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } [ الآية ] .


[78]:- في ب: ثم ذكر حكمته وعدله في إضلال من يضل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

قوله تعالى : ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ( .

لما ضرب الله للمنافقين المثلين السابقين وهما : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ( ثم ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ( قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية ، ( إن الله لا يستحي ( فقد بادروا بالتافه من القول على سبيل الهزء والاستخفاف بكلام الله سبحانه وهذان هزء واستخفاف تتقيأهما حناجر الذين لا يدركون مقاصد الكلم الفذ ، وهي مقاصد لا جرم أن تستنهض في الذهن جدية التبصر والتفكير ، لكن هؤلاء الجهلة المستخفين لا يعون من الأمور والأشياء إلا ما يتراءى لهم على السطوح دون ما تدبر متمكن سابر ، وهم كذلك قد خفي عن إدراكاتهم وتصوراتهم المتبلدة أن هذه الأمثال وغيرها لا ترد في القرآن عبثا ولا هي من قبل الكلمات التي تحفل بها السطور . هي أمثال تعرض للمعاني على شاكلة مرغوبة مثيرة تعين على الكشف عن مقاصد القرآن ومكتوباته التي تنقضي .

وقوله : ( إن الله لا يستحي ( لفظ الجلالة : اسم إن منصوب ، والجملة الفعلية المنفية بعده في محل رفع خبر إن ، ويستحي من الاستحياء وهو بالنسبة لبني البشر معلوم ، لكنه بالنسبة لله ينبغي تأويله بما يتلاءم وجلاله سبحانه ، ولعل خير ما يرد من تأويل لمعنى الاستحياء هنا بأنه الامتناع أو الاستكفاف ، وقيل : معناه الخشية ، ويترجح القول الأول ، وبذلك يكون معنى الآية على هذا الأساس : إن الله لا يستنكف أن يضرب مثلا من البعوضة ونحوها أو دون ذلك .

وقيل في إعراب ( مثلا ( مفعول به منصوب ، و ( ما ( زائدة ، و ( بعوضة ( بدل من ( مثلا ( وقيل غير ذلك من وجوه الإعراب مع أن الأول هو الراجح والله أعلم .

وقوله : ( فما فوقها ( الفاء بمعنى الى وتحتمل الفوقية هنا معنيين : أحدهما الدون ، أي الأصغر والأشد حقارة .

وثانيهما : الكبر ، أي يضرب مثلا بالبعوضة وبما أكبر منها .

وقوله : ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ( ذلك إطراء للمؤمنين وثناء عليهم لسرعة تصديقهم بما يتنزل من السماء بوساطة الوحي ، يستوي في ذلك الأمثال والآيات والأخبار ، فهم بذلك يعلمون في يقين أن المثل المضروب في الآية لهو مثل حق جدير بإعمال الفكر وتركيز النظر من أجل الخلوص إلى معطيات شتى منها الربط والتقريب ، ومنها الكشف والتيسير بما يمكن الإنسان الحريص من الوعي والاستفادة .

ولدى الكتابة في هذه المسألة نشهد في تثبت مستيقن أن هذا المثل حق من الله وأنه ليس من العبث أو اللغو في شيء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . بل إن الله يضرب الأمثال الكثيرة لكي يتدبر الناس ويتبصروا وليكون لهم من ذلك ما يحمل أذهانهم على الوعي والإدراك وما يحمل قلوبهم وطبائعهم على الإيمان والاستيقان .

والحق خلاف الباطل وهو مصدر للفعل الماضي حق بمعنى وجب وثبت ، فالحق هو الوجوب والتثبت واليقين ، وتلك أمور لا يخالطها شك أو باطل .

قوله : ( وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ( .

الذين ، اسم موصول في محل رفع مبتدأ والجملة الفعلية ( فيقولون ( وما بعدها خبر ، والجملة من مقول القول في محل نصب مفعول به للفعل فيقولون .

ويتساءل الكافرون في جحود ونكر عن الذي يريده الله من ضربه لهذا المثل ، وهو تساؤل سقيم وظالم يضيف إلى سجل الكفرة والمشركين مزيدا من الجهالات والضلالات التي تكشف عن عقول قد سميت العطب فلم تعد تقتدر على الاستفادة والاستبصار .

وقوله : ( ماذا ( جاء في إعرابها أكثر من قول : فقد ذهب بعضهم إلى أنها تشكل جملة اسمية من مبتدأ وخبر أي أن ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ، وذا معناه الذي في محل رفع خبر مبتدأ ، وقيل : إن ( ماذا ( بمنزلة اسم واحد يفيد الاستفهام وهو في محل نصب مفعول به للفعل أراد ، وقوله ( مثلا ( منصوب على التمييز . {[32]}

قوله : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ( الضلال معناه في اللغة الضياع ، والإضلال التضييع ، والإنسان الضال هو الشخص الضائع الذي يسير على غير بصيرة أو هدى ، أما الهدى فهو يعني البيان أي الوضوح المتكشف المستبين .

وسبيل الهدى هي التي تتصف بالاعتدال والاستقامة كي يتيسر فيها المسير بغير تعثر . وأما المقصود الذي يعود إليه الضمير في قوله : ( به ( فهو المثل المضروب الذي سخر منه المنافقون وأهل الكتاب يحفزهم إلى ذلك الغباء المطبق والحماقة الكبيرة .

ولا يسخر من ذلك المثل الرباني المضروب إلا من كان في علم الله الأزلي ضالا ، وكثيرون هم الذين يميلون عن صراط الله والذين تجنح قلوبهم وعقولهم نحو الخطأ من التصور فيحتسبون في علم الله مجرمين ضالين ، وفي المقابل هؤلاء الجانحين إلى الهاوية يقف فريق المؤمنين الصادقين الذين استروحت أنفسهم مذاق العقيدة والإيمان والذين أخبتت قلوبهم ومشاعرهم لأمر الله إخباتا .

قوله : ( وما يضل به إلا الفاسقين ( من الفسق وهو الخروج ، سميت الفأرة فويسقة ، وذلك لخروجها كي تعبث وتؤذي ، والفاسقين منصوب على المفعولية للفعل يضل وفي الآية تبين لهذا الفريق الضال من الناس لما جحدوا الأمثال المضروبة الكريمة التي عرض لها القرآن من بين آياته ، وهي أمثال ربانية تتوارد في سياق القرآن لمعاني وأغراض توضيحية تتعامى عنها أبصار الذين أضلهم الله على علم ، وأولئك هم الفاسقون الذين خرجوا من ظل الرحمن ليلجوا طائعين حومة الشيطان .


[32]:البيان للأنباري جـ 1 ص 67.