الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّـٰكِرِينَ} (145)

قوله تعالى : " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا " هذا حض على الجهاد ، وإعلام أن الموت لا بد منه وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له ؛ لأن معنى " مؤجلا " إلى أجل . ومعنى " بإذن الله " بقضاء الله وقدره . و " كتابا " نصب على المصدر ، أي كتب الله كتابا مؤجلا . وأجل الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه ، أن روح الحي تفارق جسده ، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله . ولا يصح أن يقال : لو لم يقتل لعاش . والدليل على قوله : " كتابا مؤجلا " " إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " {[3553]} [ الأعراف : 34 ] " إن أجل الله لآت " [ العنكبوت : 5 ] " لكل أجل كتاب " [ الرعد : 38 ] . والمعتزلي يقول : يتقدم الأجل ويتأخر ، وإن من قتل فإنما يهلك قبل أجله ، وكذلك كل ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله ؛ لأنه يجب على القاتل الضمان والدية . وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأعراف " {[3554]} إن شاء الله تعالى . وفيه دليل على كتب العلم وتدوينه . وسيأتي بيانه في " طه " عند قوله . " قال علمها عند ربي في كتاب " {[3555]} [ طه : 52 ] إن شاء الله تعالى .

قوله تعالى : " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " يعني الغنيمة . نزلت في الذين تركوا المركز طلبا للغنيمة . وقيل : هي عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة ، والمعنى نؤته منها ما قسم له . وفي التنزيل : " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " {[3556]} [ الإسراء : 18 ] . " ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها " أي نؤته جزاء عمله ، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء . وقيل : لمراد منها{[3557]} عبد الله بن جبير ومن لزم المركز معه حتى قتلوا . " وسنجزي الشاكرين " أي نؤتيهم الثواب الأبدي جزاء لهم على ترك الانهزام ، فهو تأكيد لما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة . وقيل : " وسنجزي الشاكرين " من الرزق في الدنيا ؛ لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما قسم له مما يناله الكافر .


[3553]:- راجع جـ7 ص 202 وجـ13 ص 327 وجـ 9 ص 327.
[3554]:- راجع جـ7 ص 202.
[3555]:- راجع جـ11 ص 205 فما بعد.
[3556]:- راجع جـ10 ص 235.
[3557]:- في د و جـ: بهذا
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّـٰكِرِينَ} (145)

قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) .

ذلك تحريض من الله للمسلمين على الجهاد في سبيله من غير أن يصدهم عن ذلك خور أو مخافة موت ، فإنه ما من إنسان إلا سيموت لا محالة . ولا يأتيه الموت أو القتل إلا إذا حضر الأجل . وهذه حقيقة مسطورة في علم الله ومقدوره لا تحتمل الشك أو الجدل . ويقرر ذلك ويؤكده قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) ( كتابا ) مفعول مطلق منصوب . أي كتب الله كتابا مؤجلا . ومؤجلا صفته ، والمؤجل معناه المؤقت الذي له أجل معلوم فلا يتقدم على أجله ولا يتأخر . كقوله تعالى : ( وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) وقوله : ( لكل أجل كتاب ) وذلك تأكيد من الله على أن الحياة أو الموت بتقدير من الله . وإذا لم يحن أجل المرء وكان له من العمر جزء أو بقية فهو لا محالة مستوف ما بقي له من الحظ في هذه الحياة ولو اجتمعت من حوله كل أسباب المنايا ومكائد الإنس والجن . فلا الشجاعة والإقدام في ساحة القتال حتى ما يكون بين المرء وعدوه قيد شبر- ولا غير ذلك من ظواهر الجراءة والجسارة ، مدعاة لوقوع الأجل إلا أن يشاء الله . وإذا أيقن المسلم أن كل شيء بقدر وأن الأعمار والآجال مرهونة بقدرة الله وإنه فلا يعبأ بعد ذلك من مواجهة الأهوال والنزول إلى الغمرات والأهوال جهادا في سبيل الله وطلبا لمرضاته سبحانه .

قوله : ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) .

نزلت في الذين انكفأوا عن أماكنهم في أحد طلبا للغنيمة . وهي مع ذلك عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة ، فمن ابتغى من مساعيه وجهوده الدنيا حيث المال والجاه وغيرهما من ضروب الشهوات ، فإنه يؤتى من ذلك ما قدره له الله ، لكنه ليس له في الآخرة من نصيب ، أما من ابتغى بذلك الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما يجري عليه من رزقه في دنياه .

وقوله : ( وسنجزي الشاكرين ) وهم الذين امتثلوا أمر الله بالقتال فلم يفروا ولم يزعزعهم إرجاف أو وجل ، فأولئك سيعطيهم الله من فضله ورحمته ثوابه الأبدي في الآخرة . ولا يحرمهم من عطاء الدنيا إن شاء ، كيلا يظن أحد أن المؤمنين محرومون من خير الدنيا ورزقها .