الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (100)

قوله تعالى : " ورفع أبويه على العرش " قال قتادة : يريد السرير ، وقد تقدمت محامله ، قد يعبر بالعرش عن الملك والملك نفسه ، ومنه قول النابغة الذبياني :

عُرُوشٌ تفانوا بعد عِزٍّ وأَمْنَةٍ

وقد تقدم{[9280]} .

قوله تعالى :{ وخروا له سجدا } .

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وخروا له سجدا " الهاء في " خروا له " قيل : إنها تعود على الله تعالى ، المعنى : وخروا شكرا لله سجدا ، ويوسف كالقبلة لتحقيق رؤياه ، وروي عن الحسن ، قال النقاش : وهذا خطأ ، والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أول السورة : " رأيتهم لي ساجدين " [ يوسف : 4 ] . وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف ، والصغير للكبير ، سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف عليه السلام ، فاقشعر جلده وقال : " هذا تأويل رؤياي من قبل " وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها اثنتان وعشرون سنة . وقال سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد : أربعون سنة ، قال عبد الله بن شداد : وذلك آخر ما تبطئ الرؤيا . وقال قتادة : خمس وثلاثون سنة . وقال السدي وسعيد بن جبير وعكرمة : ست وثلاثون سنة . وقال الحسن وجسر بن فرقد وفضيل ابن عياض : ثمانون سنة . وقال وهب بن منبه : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد أن التقى بأبيه ثلاثا وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة . وفي التوراة مائة وست وعشرون سنة . وولد ليوسف من امرأة العزيز إفراثيم ومنشا ورحمة امرأة أيوب . وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة . وقيل : إن يعقوب بقي عند يوسف عشرين سنة ، ثم توفي صلى الله عليه وسلم . وقيل : أقام عنده ثماني عشرة سنة . وقال بعض المحدثين : بعضا وأربعين سنة ، وكان بين يعقوب ويوسف ثلاث وثلاثون سنة حتى جمعهم الله . وقال ابن إسحاق : ثماني عشرة سنة ، والله أعلم .

الثانية : قال سعيد بعد جبير عن قتادة عن الحسن : في قوله : " وخروا له سجدا " - قال : لم يكن سجودا ، لكنه سنة كانت فيهم ، يومئون برؤوسهم إيماء ، كذلك كانت تحيتهم . وقال الثوري والضحاك وغيرهما : كان سجودا كالسجود المعهود عندنا ، وهو كان تحيتهم . وقيل : كان انحناء كالركوع ، ولم يكن خرورا على الأرض ، وهكذا كان سلامهم بالتكَفِّي والانحناء ، وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا ، وجعل الكلام بدلا عن الانحناء . وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة ، قال قتادة : هذه كانت تحية الملوك عندهم ، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة .

قلت : هذا الانحناء والتكفي الذي نسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية ، وعند العجم ، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض ، حتى أن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يؤبه به ، وأنه لا قدر له ، وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض ، عادة مستمرة ، ووراثة مستقرة لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء . نكبوا عن السُّنَن ، وأعرضوا عن السَّنَن . وروى أنس بن مالك قال : قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا إلى بعض إذا التقينا ؟ قال : ( لا ) ؛ قلنا : أفيعتنق بعضنا بعضا ؟ قال ( لا ) . قلنا : أفيصافح بعضنا بعضا ؟ قال ( نعم ) . خرجه أبو عمر في " التمهيد " فإن قيل : فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قوموا إلى سيدكم وخيركم ) - يعني سعد بن معاذ - قلنا : ذلك مخصوص بسعد لما تقتضيه الحال المعينة ، وقد قيل : إنما كان قيامهم لينزلوه عن الحمار ، وأيضا فإنه يجوز للرجل الكبير إذا لم يؤثر ذلك في نفسه ، فإن أثر فيه وأعجب به ورأى لنفسه حظا لم يجز عونه على ذلك ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار ) . وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه لم يكن وجه أكرم عليهم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كانوا يقومون له إذا رأوه ، لما يعرفون من كراهته لذلك .

الثالثة : فإن قيل : فما تقول في الإشارة بالإصبع ؟ قيل له : ذلك جائز إذا بعد عنك ، لتعيّن له به وقت السلام ، فإن كان دانيا فلا ، وقد قيل بالمنع في القرب والبعد ؛ لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من تشبه بغيرنا فليس منا ) . وقال : ( لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكف والنصارى بالإشارة ) . وإذا سلم فإنه لا ينحني ، ولا أن يقبل مع السلام يده ، ولأن الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي إلا لله . وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم ، ولا يتبعون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيما منهم لكبرائهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس أكاسرتها " فهذا مثله . ولا بأس بالمصافحة ، فقد صافح النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة ، وأمر بها ، وندب إليها ، وقال : ( تصافحوا يذهب الغل ) وروى غالب التمار عن الشعبي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا التقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا ، فإن{[9281]} قيل : فقد كره مالك المصافحة ؟ قلنا : روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة ، وذهب إلى هذا سحنون وغيره من أصحابنا ، وقد روي عن مالك خلاف ذلك من جواز المصافحة ، وهو الذي يدل عليه معنى ما في الموطأ ، وعلى جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف . قال ابن العربي : إنما كره مالك المصافحة لأنه لم يرها أمرا عاما في الدين ، ولا منقولا نقل السلام ، ولو كانت منه{[9282]} لاستوى معه .

قلت : قد جاء في المصافحة حديث يدل على الترغيب فيها ، والدأب عليها والمحافظة ، وهو ما رواه البراء بن عازب قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فقلت : يا رسول الله ! إن كنت لأحسب أن المصافحة للأعاجم ؟ فقال : ( نحن أحق بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبها بينهما ) .

قوله تعالى : " وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن " ولم يقل من الجب استعمالا للكرم ؛ لئلا يذكر إخوته صنيعهم بعد عفوه عنهم{[9283]} بقوله : " لا تثريب عليكم " .

قلت : وهذا هو الأصل عند مشايخ الصوفية : ذكر الجفا في وقت الصفا جفا ، وهو قول صحيح دل عليه الكتاب . وقيل : لأن في دخول السجن كان باختياره بقوله : " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه " [ يوسف : 33 ] وكان في الجب بإرادة الله تعالى له . وقيل : لأنه كان في السجن مع اللصوص والعصاة ، وفي الجب مع الله تعالى ، وأيضا فإن المنة في النجاة من السجن كانت أكبر ، لأنه دخله بسبب أمر هَمَّ به ، وأيضا دخله باختياره إذ قال : " رب السجن أحب إلي " فكان الكرب فيه أكثر ، وقال فيه أيضا : " اذكرني عند ربك " [ يوسف : 42 ] فعوقب فيه .

قوله تعالى : " وجاء بكم من البدو " يروى أن مسكن يعقوب كان بأرض كنعان ، وكانوا أهل مواش وبرية ، وقيل : كان يعقوب تحول إلى بادية وسكنها ، وأن الله لم يبعث نبيا من أهل البادية . وقيل : إنه كان خرج إلى بدا ، وهو موضع ، وإياه عنى جميل بقوله :

وأنتِ التي حَبَّبْتِ شَغْبًا{[9284]} إلى بَدَا *** إليّ وأوطانِي بلادٌ سِوَاهُمَا

وليعقوب بهذا الموضع مسجد تحت جبل . يقال : بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا ، كما يقال : غاروا غورا أي أتوا الغور ، والمعنى : وجاء بكم من مكان بدا ، ذكره القشيري ، وحكاه الماوردي عن الضحاك عن ابن عباس . " من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " بإيقاع الحسد ، قاله ابن عباس . وقيل : أفسد ما بيني وبين إخوتي ، أحال ذنبهم على الشيطان تكرما منه .

" إن ربي لطيف لما يشاء " أي رفيق بعباده . وقال الخطابي : اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون ، كقوله : " الله لطيف بعباده يرزق من يشاء{[9285]} " [ الشورى : 19 ] . وقيل : اللطيف العالم بدقائق الأمور ، والمراد هنا الإكرام والرفق . قال قتادة : لطف بيوسف بما خراجه من السجن ، وجاءه بأهله من البدو ، ونزع عن قلبه نزغ الشيطان . ويروى أن يعقوب لما قدم بأهله وولده وشارف أرض مصر وبلغ ذلك يوسف استأذن فرعون - واسمه الريان - أن يأذن له في تلقي أبيه يعقوب ، وأخبره بقدومه فأذن له ، وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه ، فخرج يوسف والملك معه في أربعة آلاف من الأمراء مع كل أمير خلق الله أعلم بهم ، وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب ، فكان يعقوب يمشي متكئا على يد يهوذا ، فنظر يعقوب إلى الخيل والناس والعساكر فقال : يا يهوذا ! هذا فرعون مصر ؟ قال : لا ، بل هذا ابنك يوسف ، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع{[9286]} من ذلك ، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل ، فابتدأ يعقوب بالسلام فقال : السلام عليك يا مذهب الأحزان ، وبكى وبكى معه يوسف ، فبكى يعقوب فرحا ، وبكى يوسف لما رأى بأبيه من الحزن ، قال ابن عباس : فالبكاء أربعة ، بكاء من الخوف ، وبكاء من الجزع ، وبكاء من الفرح ، وبكاء رياء . ثم قال يعقوب : الحمد لله الذي أقر عيني بعد الهموم والأحزان ، ودخل مصر في اثنين وثمانين من أهل بيته ، فلم يخرجوا من مصر حتى بلغوا ستمائة ألف ونيف ألف ، وقطعوا البحر مع موسى عليه السلام ، رواه عكرمة عن ابن عباس . وحكى ابن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة ، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف{[9287]} وسبعون ألفا . وقال الربيع بن خيثم : دخلوها وهم اثنان وسبعون ألفا ، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف . وقال وهب : بن منبه{[9288]} دخل يعقوب وولده مصر وهم تسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة وصغير ، وخرجوا منها مع موسى فرارا من فرعون ، وهم ستمائة ألف وستمائة وبضع وسبعون رجل مقاتلين ، سوى الذرية . والهَرْمَى والزَّمْنَى ، وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف سوى المقاتلة ، وقال أهل التواريخ : أقام يعقوب بمصر أربعا وعشرين سنة في أغبط حال ونعمة ، ومات بمصر ، وأوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق بالشام ففعل ، ثم انصرف إلى مصر . قال سعيد بن جبير : نقل يعقوب صلى الله عليه وسلم في تابوت من ساج إلى بيت المقدس ، ووافق ذلك يوم مات عيصو ، فدفنا في قبر واحد ، فمن ثم تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس ، من فعل ذلك منهم ، وولد يعقوب وعيصو في بطن واحد ، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعا مائة وسبعا{[9289]} وأربعين سنة .


[9280]:راجع ج 7 ص 220.
[9281]:في ا و ع و ك و ي: الرابعة. ويلاحظ أن المسائل ثلاث.
[9282]:في ع، و، ي: سنة.
[9283]:من ع و ك.
[9284]:شغب: موضع بين المدينة والشام. (وبدا) يروى منونا وغير منون.
[9285]:راجع ج 16 ص 16.
[9286]:أي منعه يعقوب عليه السلام لأن القادم يسلم، قاله العيني في "عقد الجمان". وقال الألوسي: ليعلم أن يعقوب أكرم على الله منه.
[9287]:من ع.
[9288]:من ع.
[9289]:في ع و ك و ي: تسعا. والمشهور ما ذكره.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (100)

ولما ذكر الأمن الذي هو ملاك العافية{[42746]} التي بها لذة العيش ، أتبعه الرفعة التي بها كمال النعيم ، فقال : { ورفع أبويه } أي بعدما استقرت بهم الدار بدخول مصر مستويين{[42747]} { على العرش } أي السرير الرفيع ؛ قال الرماني : أصله الرفع . { وخروا } أي انحطوا { له سجداً } الأبوان والإخوة تحقيقاً لرؤياه{[42748]} ممن هو غالب على كل أمر ، والسجود -{[42749]} وأصله{[42750]} : الخضوع والتذلل - كان مباحاً في تلك الأزمنة{[42751]} { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { ياأبت } ملذذاً له بالخطاب بالأبوة { هذا } أي الذي وقع من السجود { تأويل رؤياي } التي رأيتها ، ودل على قصر{[42752]} الزمن الذي{[42753]} رآها فيه بالجار فقال : { من قبل } ثم استأنف قوله : { قد جعلها ربي } أي{[42754]} الذي رباني بما أوصلني إليها { حقاً } أي بمطابقة{[42755]} الواقع لتأويلها ، وتأويل ما أخبرتني به أنت تحقق أيضاً{[42756]} من اجتبائي وتعليمي وإتمام النعمة عليّ ؛ والتأويل : تفسير بما يؤول إليه معنى الكلام ؛ وعن سلمان رضي الله عنه أن ما بين تأويلها ورؤياها أربعون سنة{[42757]} . { وقد أحسن } أي أوقع إحسانه { بي } تصديقاً لما{[42758]} بشرتني به من إتمام النعمة ، وتعدية { أحسن } بالباء أدل على القرب من المحسن من التعدية ب " إلى " وعبر بقوله{[42759]} : { إذا أخرجني من السجن } معرضاً عن لفظ " الجب " حذراً من إيحاش إخوته مع أن اللفظ يحتمله احتمالاً{[42760]} خفياً { وجاء بكم } وقيل{[42761]} : إنهم كانوا أهل عمد{[42762]} وأصحاب مواش ، يتنقلون في المياه والمناجع ، فلذلك قال : { من البدو } من أطراف بادية فلسطين ، وذلك من أكبر النعم كما ورد في الحديث " من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة {[42763]} " والبدو : بسيط من الأرض يرى فيه الشخص من بعيد ، وأصله من الظهور ، وأنس إخوته أيضاً بقوله مثبتاً الجار لأن مجيئهم في بعض أزمان البعد : { من بعد أن نزغ } عبر بالماضي ليفهم أنه انقضى { الشيطان } أي أفسد البعيد المحترق بوسوسته التي هي كالنخس { بيني وبين إخوتي } حيث قسم النزغ بينه وبينهم ولم يفضل أحداً من الفريقين فيه ، {[42764]} ولم يثبت الجار إشارة إلى عموم الإفساد للبنين{[42765]} ، كل ذلك إشارة إلى تحقق{[42766]} ما بشر به يعقوب عليه الصلاة والسلام من إتمام النعمة وكمال العلم{[42767]} والحكمة ؛ ثم علل الإحسان إليهم أجمعين بقوله : { إن ربي } أي المحسن إليّ على وجوه فيها خفاء { لطيف } - أي يعلم دقائق{[42768]} المصالح وغوامضها ، ثم يسلك - في إيصالها إلى{[42769]} المستصلح - سبيل الرفق دون العنف ، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك فهو اللطيف - قاله الرازي في اللوامع .

وهو سبحانه فاعل اللطف في تدبيره ورحمته { لما يشاء } لا يعسر عليه أمر ؛ ثم علل هذه العلة بقوله : { إنه هو } أي وحده { العليم } أي البليغ العلم للدقائق والجلائل { الحكيم * } أي البليغ الإتقان لما يصنعه طبق ما ختم به يعقوب عليه الصلاة والسلام بشراه في أول السورة ، أي هو منفرد بالاتصاف بذلك لا يدانيه{[42770]} أحد في علم ليتعرض إلى أبطال ما يقيمه من الأسباب ، ولا في حكمة ليتوقع الخلل{[42771]} في شيء منها .


[42746]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: العاقبة.
[42747]:في ظ: بمستويين.
[42748]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لرؤياهم.
[42749]:سقط م بين الرقمين من م.
[42750]:سقط ما بين الرقمين من م.
[42751]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: الزمنة.
[42752]:من م ومد، وفي الأصل: الزمان التي، وفي ظ: الزمن الذي.
[42753]:من م ومد، وفي الأصل: الزمان التي، وفي ظ: الزمن الذي.
[42754]:سقط من ظ.
[42755]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لمطابقة.
[42756]:زيد من م.
[42757]:وهذا القول حكاه في لباب التأويل 3/259 بالإضافة إلى الأقوال الأخرى.
[42758]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بما.
[42759]:زيد م بين الحاجزين من م ومد.
[42760]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: احفالا- كذا.
[42761]:والقائل هو الزمخشري- راجع البحر 5/349.
[42762]:من ظ و م ومد والبحر، وفي الأصل عمر.
[42763]:هذا الحديث قد استدرك على حاشية روح المعاني 4/115 بدون التنويه بمراجعه.
[42764]:العبارة من هنا إلى "للبينين" ساقطة من م.
[42765]:من ظ ومد، وفي الأصل: للبنين.
[42766]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: تحقيق.
[42767]:زيد بعده في ظ و م ومد: لله.
[42768]:في ظ: حقائق.
[42769]:زيد من م ومد.
[42770]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: لا يدانيه.
[42771]:في م: الحلل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (100)

قوله : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا } { العرش } ، سرير الملك ؛ أي أجلس يوسف أبويه معه مكرمين معززين على السرير الذي يجلس عليه الملوك في العادة ، ثم خر الأبوان والإخوة سجدا ليوسف وكان ذلك في شريعتهم نازلا منزلة التحية ؛ فهو بذلك جائز . وقيل : كان سجودهم كالسجود المعهود عندنا اليوم وهو كان تحيتهم وهذا الراجح ، استنادا إلى الظاهر من معنى السجود . وقيل : كان انحناء كالركوع وليس خرورا على الأرض . وكذلك سلامهم بالتكفي والانحناء . والتكفي معناه التمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها . وفي الخبر عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا مشى تكفى تكفيا . وروي أنه مهموز وغير مهموز . وقيل : الأصل الهمز : تكفأ تكفؤا . والهمز حرف صحيح{[2299]} .

وكل هذه الضروب في التحية منسوخ في شريعة الإسلام . وإنما المشروع وحده للتحية ما كان بالكلام بدلا عن السجود أو الانحناء أو الإيماء أو التكفؤ ؛ فليس لمسلم بعد ذلك أن يحيي أخاه بشيء من ذلك ؛ فإنه كله صور من صور الشرك الذي ينافي عقيدة التوحيد في دين الإسلام .

قوله : { وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } قال يوسف لأبيه : هذا السجود الذي سجدتموه لي أنت وأمي وإخوتي لهو مآل رؤياي التي كنت رأيتها من قبل ما فعل بي إخوتي ما فعلوه ، وقد جعل ربي هذه الرؤيا { حقا } أي صادقة محققة . واختلفوا في قدر المدة التي كانت بين رؤيا يوسف وتأويلها . فقد قيل : كانت أربعين سنة ، وهو قول أكثر العلماء والمفسرين .

قوله : { وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ } أحسن الله إلي بإخراجي من السجن حيث كنت محبوسا ، وفي مجيئكم من البدو إلى هنا ؛ فقد ذكر أن مسكن يعقوب وولده كان ببادية فلسطين . وقيل : في عربة من أرض فلسطين بغور الشام ؛ فقد كان آل يعقوب أهل بآدية وشاء وإبل ينتقلون في المياه والمناجع . و { البدو } مصدر . بدا فلان يبدو بدوا ؛ إذا صار بالبادية . والبدوة تعني الإقامة في البادية وهي ضد الحضارة{[2300]} ؛ أي ما حصل بني وبين إخوتي سببه نزغ الشيطان ؛ فقد نزع بني وبينهم ؛ أي أفسد بيني وبينهم . وقد أسند خطيئة إخوته إلى الشيطان تلطفا منه وتواضعا . وقيل : أوقع الشيطان بيني وبينهم بإثارة الحسد في قلوبهم . { إن ربي لطيف لما شاء إنه هو العليم الحكيم } الله رفقي بعباده ؛ فهو يرحمهم برحمته ويكف عنهم البأساء واللأواء ، ويكون لهم خير حافظ ومعين إذا أحدقت بهم الشدائد والكروب ؛ فقد رحم عبده الصابر الطهور يوسف فاذهب عنه البلاء والشدة وكرمه خير تكريم { إنه هو العليم الحكيم } الله العليم بمصالح العباد . فليس من عليم بما ينفعهم أو يضرهم على الحقيقة سوى الله . وهو سبحانه الحكيم في تصرفه وتدبيره{[2301]} .


[2299]:لسان العرب جـ 1 ص 141، 142.
[2300]:مختار الصحاح ص 654.
[2301]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 491 وفتح القدير جـ 3 ص 56 وتفسير النسفي جـ 2 ص 238.