قوله تعالى : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين : يعني " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا " [ البقرة : 17 ] وقوله : " أو كصيب من السماء " [ البقرة : 19 ] قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية . وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال : لما ذكر الله آلهة المشركين فقال : " وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه{[375]} " [ الحج : 73 ] وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت ، قالوا : أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد ، أي شيء يصنع ؟ فأنزل الله الآية . وقال الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ، ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله ، فأنزل الله الآية .
و " يستحيي " أصله يستحيِيُ ، عينه ولامه حرفا علة ، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت . واسم الفاعل في هذا : مستحيٍ ، والجمع مستحيون ومستحيين . وقرأ ابن محيصن " يستحي " بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة ، وروى عن ابن كثير ، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل ، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت ، فحذفت إحداهما للالتقاء ، واسم الفاعل مستح ، والجمع مستحون ومستحين . قاله الجوهري . واختلف المتأولون في معنى " يستحيي " في هذه الآية فقيل : لا يخشى ، ورجحه الطبري ، وفي التنزيل : " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه{[376]} " [ الأحزاب : 37 ] بمعنى تستحي . وقال غيره : لا يترك . وقيل : لا يمتنع . وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح ، وهذا محال على الله تعالى . وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحيي من الحق . المعنى لا يأمر بالحياء فيه ، ولا يمتنع من ذكره .
قوله تعالى : " أن يضرب مثلا ما " " يضرب " معناه يبين ، و " أن " مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من . " مثلا " منصوب بيضرب " بعوضة " في نصبها أربعة أوجه :
الأول : تكون " ما " زائدة ، و " بعوضة " بدلا من " مثلا " .
الثاني : تكون " ما " نكرة في موضع نصب على البدل من قوله : " مثلا " . و " بعوضة " نعت لما ، فوصفت " ما " بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل ، قاله الفراء والزجاج وثعلب .
الثالث : نصبت على تقدير إسقاط الجار ، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة ، فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها ، والفاء بمعنى إلى ، أي إلى ما فوقها . وهذا قول الكسائي والفراء أيضا ، وأنشد أبو العباس :
يا أحسن الناس ما قَرْناً إلى قدم *** ولا حبالَ مُحِبٍّ واصلٍ تصل
أراد ما بين قرن ، فلما أسقط " بين " نصب .
الرابع : أن يكون " يضرب " بمعنى يجعل ، فتكون " بعوضة " المفعول الثاني . وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع ، وهي لغة تميم . قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي ، و " بعوضة " رفع على إضمار المبتدأ ، التقدير : لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا ، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ . ومثله قراءة بعضهم : " تماما على الذي أحسن " أي على الذي هو أحسن . وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي هو قائل . قال النحاس : والحذف في " ما " أقبح منه في " الذي " ، لأن " الذي " إنما له وجه واحد والاسم معه أطول . ويقال : إن معنى ضربت له مثلا ، مثلت له مثلا . وهذه الأبنية على ضرب واحد ، وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع . والبعوضة : فعولة من بَعَض إذا قطع اللحم ، يقال : بضع وبعض بمعنى ، وقد بعضته تبعيضا ، أي جزأته فتبعض . والبعوض : البق{[377]} ، الواحدة بعوضة ، سميت بذلك لصغرها . قاله الجوهري وغيره .
قوله تعالى : " فما فوقها " قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى ، ومن جعل " ما " الأولى صلة زائدة ف " ما " الثانية عطف عليها . وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : معنى " فما فوقها " - والله أعلم - ما دونها ، أي إنها فوقها في الصغر . قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا ؟ فيقول القائل : أو فوق ذلك ، أي هو أقصر مما ترى . وقال قتادة وابن جريج : المعنى في الكبر .
قوله تعالى : " فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم " الضمير في " أنه " عائد على المثل أي أن المثل حق . والحق خلاف الباطل . والحق : واحد الحقوق . والحقة ( بفتح الحاء ) أخص منه ، يقال : هذه حقتي ، أي حقي . " وأما الذين كفروا " لغة بني تميم وبني عامر في " أما " أيما ، يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف ، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة :
رأت رجلا أيْمَا إذا الشمس عارضت *** فيضحَى وأيْمَا بالعشي فيَخْصَرُ{[378]}
قوله تعالى : " فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا " اختلف النحويون في " ماذا " ، فقيل : هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله ، فيكون في موضع نصب ب " أراد " . قال ابن كيسان : وهو الجيد . وقيل : " ما " اسم تام في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " بمعنى الذي وهو خبر الابتداء ، ويكون التقدير : ما الذي أراده الله بهذا مثلا ، ومعنى كلامهم هذا : الإنكار بلفظ الاستفهام . و " مثلا " منصوب على القطع ، التقدير : أراد مثلا ، قاله ثعلب . وقال ابن كيسان : هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال .
قوله تعالى : " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " قيل : هو من قول الكافرين ، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى . وقيل : بل هو خبر من الله عز وجل ، وهو أشبه ، لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده ، فالمعنى : قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا ، أي يوفق ويخذل ، وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم : إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى . قالوا : ومعنى " يضل به كثيرا " التسمية هنا ، أي يسميه ضالا ، كما يقال : فسقت فلانا ، يعني سميته فاسقا ؛ لأن الله تعالى لا يضل أحدا . هذا طريقهم في الإضلال ، وهو خلاف أقاويل المفسرين ، وهو غير محتمل في اللغة ، لأنه يقال : ضلله إذا سماه ضالا ، ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا ، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم .
" وما يضل به إلا الفاسقين " ولا خلاف أن قوله : " وما يضل به إلا الفاسقين " أنه من قول الله تعالى . و " الفاسقين " نصب بوقوع الفعل عليهم ، والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم . ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام . وقال نوف البكالي : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء . قال فقيل : يا عزير اعرض عن هذا ! لتعرضن{[379]} عن هذا أو لأمحونك من النبوة ، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . والضلال أصله الهلاك ، يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا استهلك ، ومنه قوله تعالى : " أإذا ضللنا في الأرض{[380]} " [ السجدة :10 ] وقد تقدم في الفاتحة{[381]} . والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ، والفأرة من جحرها . والفويسقة : الفأرة ، وفي الحديث : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا ) . روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخرجه مسلم . وفي رواية ( العقرب ) مكان ( الحية ) . فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها ، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - فسقا وفسوقا ، أي فجر . فأما قوله تعالى : " ففسق عن أمر ربه " فمعناه خرج . وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم{[382]} فاسق . قال : وهذا عجب ، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس والجوهري .
قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر :
يذهبن في نجد وغَوْراًوغورا{[383]} غائرا *** فواسقا عن قصدها جوائرا
والفِسّيق : الدائم الفسق . ويقال في النداء : يا فسق ويا خبث ، يريد : يا أيها الفاسق ، ويا أيها الخبيث . والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله عز وجل ، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان .
ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه ثبت أن ما فيه من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد وتلاه بالآية التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم وبعض الشكل فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى فاضمحلت نسبتها إليها ، وكان في ختم الآية بخالدون إشارة إلى أن الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام الذكر فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى{[1338]} على المنصف فلم يبق إلا طعنهم بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه فبين حسنها ووجوب الاعتداد بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقاً إلى أن الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته وكماله ، فلو ترك التمثيل بها لذلك لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب العجاب{[1339]} فقال تعالى على طريق الاستنتاج{[1340]} من المقدمات المسلَّمات{[1341]} وأكد سبحانه دفعاً لظن أنه يترك لما لبّسوا{[1342]} به الأمثال التي هي أكشف شيء للأشكال وأجلى في{[1343]} جميع الأحوال{[1344]} . وقال الحرالي : لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف{[1345]} فيها والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال وأن ذلك من الحق سبحانه
{ والله لا يستحيي من الحق{[1346]} } [ الأحزاب : 53 ] {[1347]} وليختم{[1348]} ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف{[1349]} التي أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل ، وبين تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل{[1350]} في البعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ{[1351]} في العلم . وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع{[1352]} المثل{[1353]} على ممثله قل أو جل دنا أو علا فتنزه تعالى{[1354]} عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمراً{[1355]} فيتوهمون فيه نقصاً فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولاً أو فعلاً - انتهى . فقال{[1356]} تعالى : { إن الله } أي المحيط بكل شيء جلالاً وعظمة وكمالا { لا يستحيي } أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه .
والحياء{[1357]} قال الحرالي انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصاً حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن { أن }{[1358]} كلمة مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها ، وسيبويه رحمه الله يراها اسماً ، وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم يرونها حرفاً { يضرب } من ضرب المثل وهو{[1359]} وقع المثل على الممثل ، لأن أصل{[1360]} الضرب وقع شيء على شيء ، والمعنى أن يوجد الضرب متجدداً{[1361]} مستمراً وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه{[1362]} مثلاً ، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق ، وتحقيقه أن المصدر لا يقع{[1363]} إلا على كمال الحقيقة من غير نظر إلى زمان{[1364]} ولا غيره وأما بفعل{[1365]} فإنه يفهم إيقاع الحقيقة من غير نظر أيضاً إلى زمان ، وبفهمها مع{[1366]} النظر إلى الزمان مع التجدد{[1367]} والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل كمالها عند الشروع فيها وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي : إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن ، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول ، فنفى الأصل الأبلغ{[1368]} الذي بنفيه{[1369]} يكون نفي الضرب أحق ، فليراجع هذا المعنى مع تكرار كلمة " إن " فإنها كثيرة الدور{[1370]} / في القرآن جليلة قدر المعنى في مواقعها ، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب إنّ أنّ والفعل في{[1371]} معنى المصدر ، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما ، وعند هذا يجب أن تكون{[1372]} أن اسماً والفعل صلتها نحو{[1373]} من وما { مثلاً ما } مثل أمر ظاهر للحس ونحوه ، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و " ما " {[1374]} في نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق ، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى .
ثم بين ذلك بقوله : { بعوضة } .
وقال الحرالي : ولما كان ضرب المثل متعلقاً بمثل وممثل كان الضرب واقعاً عليهما ، فكان لذلك متعدياً إلى مفعولين : مثلاً ما وبعوضة ، والبعوض{[1375]} جنس معروف من أدنى الحيوان الطائر مقداراً وفيه استقلال وتمام خلقة{[1376]} ، يشعر به معنى البعض الذي منه لفظه ، لأن البعض يوجد{[1377]} فيه جميع أجزاء الكل فهو بذلك كل ، { فما فوقها } أي من{[1378]} معنى يكون أظهر منها ، والفاء تدل على ارتباط ما إما تعقيب واتصال أو تسبيب ، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدريج إلى أنهى ما يكون - انتهى . والمعنى أن ذلك إن اعتبر بالنسبة إليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة ، وإن اعتبر بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف صغير من تراب ، وأما شرف بعضه على بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء لعكس الحال .
ثم ذكر شأن{[1379]} قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال{[1380]} مؤكداً بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر{[1381]} : { فأما }{[1382]} ، قال الحرالي : كأنها مركبة من " إن " دالة على باطن ذات و " ما " دالة على ظاهر مبهم ، يؤتى به للتقسيم - انتهى . { الذين آمنوا } أي بما ذكرنا أول السورة ، {[1383]} ولما تضمن أما معنى الشرط كما فسره سيبويه بمهما يكن من شيء أجيب بالفاء في قوله : { فيعلمون{[1384]} أنه } أي ضرب المثل { الحق } كائناً{[1385]} { من ربهم } أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان ، وأنه ما أراد بهم إلا تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله{[1386]} ، وأما أمثال غيره فإن لم يكن فيها نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمُّح تكون به غير جديرة باسم الحق ولا عريقة فيه .
قال الحرالي : لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضرب المثل ، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه ، وكما استبصر فيه الذين آمنوا استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه{[1387]} فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه - انتهى . فلذا{[1388]} قال { وأما الذين كفروا } أي المجاهرون منهم والمساترون{[1389]} { فيقولون } {[1390]} أي قولاً مستمراً{[1391]} { ماذا{[1392]} } {[1393]} أي الذي{[1394]} { أراد الله } الذي هو أجل جليل { بهذا } الحقير {[1395]} أي بضربه له{[1396]} { مثلاً } {[1397]} أي على جهة المثلية{[1398]} استهزاء وجهلاً{[1399]} وعناداً وجفاءً{[1400]} ؛ ثم وصل بذلك ذكر ثمرته عند الفريقين جواباً لسؤال من سأل منهم فقال : { يضل به كثيراً } أي منهم بأن لا يفهمهم المراد منه فيظنون بذلك الظنون . وقال الحرالي : وكان إضلالاً لهم ، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل به تطريق لهم إلى الجهالة فكان{[1401]} ذلك إضلالاً ، وقدم الجواب بالإضلال لأنه مستحق المستفهم ، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة{[1402]} المنجية{[1403]} - انتهى .
{ ويهدي به كثيراً } أي ببركة اعتقادهم الخير وتسليمهم له الأمر يهديهم ربهم بإيمانهم فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم لما فيه من المعارف فيزيدهم به إيماناً وطمأنينة وإيقاناً{[1404]} ، والمهديون{[1405]} كثير في الواقع قليل بالنسبة إلى الضالين . ولما كان المقام للترهيب كما مضى في قوله : { فاتقوا النار } اكتفى في المهتدين بما سبق{[1406]} من بشارتهم وقال في ذم القسم الآخر وتحذيره : { وما يضل به إلا } ، قال الحرالي : كأنها مركبة من " إن " و " لا " مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها - انتهى . { الفاسقين } أي الخارجين{[1407]} عن العدل والخير . وقال الحرالي : الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية ، لأن الفسق خروج عن محيط كالكمام للثمرة والجحر{[1408]} للفأرة - انتهى .