النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا} (68)

قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ } يعني لا يجعلون لله تعالى شريكاً ولا يجعلون بينهم وبينه في العبادة وسيطاً .

{ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } يعني حرم قتلها وهي نفس المؤمن والمعاهد .

{ إِلاَّ بِالْحَقِّ } والحق المستباح به قتلها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لاَ يَحِلُّ دَمُ امرئ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِِإِحْدَى ثَلاَثٍ : كُفرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ ، أَوْ قَتْل نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ{[2094]} " .

{ وَلاَ يَزْنُونَ } والزنى إتيان النساء المحرمات في قبل أو دبر ، واللواط زنى في أحد القولين ، وهو في القول الثاني موجب لقتل الفاعل والمفعول به ،

وفي إتيان البهائم ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنه كالزنى في الفرق بين حد البكر والثيب .

الثاني : أنه يوجب قتل البهيمة ومن أتاها للخبر المأثور فيه .

الثالث : أنه يوجب التعزير . فجمع في هذه الآية بين ثلاث من الكبائر الشرك وقتل النفس والزنى . روى عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال : قلت : يا رسول الله ( أو قال غيري ) : أي ذنب أعظم عند الله ؟ قال : " أَن تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ " ، قال : ثم أيّ ؟ قال : " أَن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خِيفَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ " ، قال : ثم أيّ . ؟ قال : " أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ{[2095]} " . قال فأنزل الله ذلك .

{ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ } يعني هذه الثلاثة أو بعضها .

{ يَلْقَ أَثَاماً } فيه ثلاثة أوجه :

أحدها : أن الأثام العقوبة قاله بلعام بن قيس :

جزى اللَّه ابن عروة حيث أمسى *** عقوقاً والعقوق له أثام{[2096]}

الثاني : أن الأثام اسم واد في جهنم ، قاله ابن عمر وقتادة ومنه قول الشاعر :

لقيت المهالك في حربنا *** وبعد المهالك تلقى أثاما

الثالث : الجزاء ، قاله السدي ، وقال الشاعر{[2097]} :

وإن مقامنا ندعو عليكم *** بأبطح ذي المجاز له أثامُ


[2094]:رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد.
[2095]:رواه الستة إلا ابن ماجه، كما رواه أحمد في المسند 1/ 280
[2096]:نسب صاحب اللسان هذا البيت إلى شافع الليثي.
[2097]:هو بشر بن أبي خازم كما في اللسان– أتم.