وهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " {[1]} [ النساء : 58 ] على ما يأتي بيانه . قال النقاش : وقيل : نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة . وقد قال بعض الناس : إن قوله تعالى : " يا أيها الناس " حيث وقع إنما هو مكي ، وقاله{[2]} علقمة وغيره ، فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا ، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني . وقال النحاس : هذه السورة مكية .
قلت : والصحيح الأول ، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تعني قد بنى بها . ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة . ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها . وأما من قال : إن قوله . " يا أيها الناس " مكي حيث وقع فليس بصحيح ؛ فإن البقرة مدنية وفيها قوله : " يا أيها الناس " في موضعين{[3]} ، وقد تقدم . والله أعلم
وفيه ست مسائل{[3860]} :
الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم " قد مضى في " البقرة " اشتقاق " الناس " ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث ، فلا معنى للإعادة{[3861]} . وفي الآية تنبيه على الصانع . وقال " واحدة " على تأنيث لفظ النفس . ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر . ويجوز في الكلام " من نفس واحد " وهذا على مراعاة المعنى ؛ إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام ، قاله مجاهد وقتادة . وهي قراءة ابن أبي عبلة " واحد " بغير هاء . " وبث " معناه{[3862]} فرق ونشر في الأرض ، ومنه " وزرابي مبثوثة " {[3863]} [ الغاشية : 16 ] وقد تقدم في " البقرة " {[3864]} . و " منهما " يعني آدم وحواء . قال مجاهد : خلقت حواء من قصيرى{[3865]} آدم . وفي الحديث : ( خلقت المرأة من ضلع عوجاء ) ، وقد مضى في البقرة{[3866]} .
" رجالا كثيرا ونساء " حصر ذريتهما في نوعين ، فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع ، لكن له حقيقة ترده إلى هذين النوعين ، وهي الآدمية فيلحق بأحدهما ، على ما تقدم ذكره في " البقرة " من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها .
الثانية : قوله تعالى : " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " كرر الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين . و " الذي " في موضع نصب على النعت . " والأرحام " معطوف . أي اتقوا الله أن تعصوه ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها . وقرأ أهل المدينة " تسّاءلون " بإدغام التاء في السين . وأهل الكوفة بحذف{[3867]} التاء ، لاجتماع تاءين ، وتخفيف السين ؛ لأن المعنى يعرف ، وهو كقوله : " ولا تعاونوا على الإثم " {[3868]} [ المائدة : 2 ] و " تنزل " وشبهه . وقرأ{[3869]} إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة " الأرحام " بالخفض . وقد تكلم النحويون في ذلك . فأما البصريون فقال رؤساؤهم : هو لحن لا تحل القراءة به . وأما الكوفيون فقالوا : هو قبيح ، ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه ، قال النحاس : فيما علمت . وقال سيبويه : لم يعطف على المضمر المخفوض ؛ لأنه بمنزلة التنوين ، والتنوين لا يعطف عليه . وقال جماعة : هو معطوف على المكني ، فإنهم كانوا يتساءلون بها ، يقول الرجل : سألتك بالله والرحم ، هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد ، وهو الصحيح في المسألة ، على ما يأتي . وضعفه أقوام منهم الزجاج ، وقالوا : يقبح عطف الاسم{[3870]} الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض ، كقوله " فخسفنا به وبداره الأرض " {[3871]} [ القصص : 81 ] ويقبح " مررت به وزيد " . قال الزجاج عن المازني : لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان . يحل كل واحد منهما محل صاحبه ، فكما لا يجوز " مررت بزيد وك " كذلك لا يجوز " مررت بك وزيد " . وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلا في الشعر ، كما قال :
فاليوم قرّبتَ تهجونا وتشتمنا *** فاذهب فما بك والأيام من عجب
عطف " الأيام " على الكاف في " بك " بغير الباء للضرورة . وكذلك قول الآخر :
نعلق في مثل السواري سيوفنا *** وما بينها والكعب مَهْوَى{[3872]} نَفَانِفُ
عطف " الكعب " على الضمير في " بينها " ضرورة . وقال أبو علي : ذلك ضعيف في القياس . وفي كتاب التذكرة المهدية{[3873]} عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال : لو صليت خلف إمام يقرأ " ما أنتم بمصرخي " {[3874]} [ إبراهيم : 22 ] و " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " لأخذت نعلي ومضيت . قال الزجاج : قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحلفوا بآبائكم ) فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم . ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم ، وإنه خاص{[3875]} لله تعالى . قال النحاس : وقول بعضهم " والأرحام " قسم خطأ من المعنى والإعراب ؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب . وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال : كنا{[3876]} عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم ، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ، إلى : والأرحام ) ، ثم قال : ( تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره . . . ) وذكر الحديث{[3877]} . فمعنى هذا على النصب ؛ لأنه حضهم على صلة أرحامهم . وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) . فهذا يرد قول من قال : المعنى أسألك بالله وبالرحم . وقد قال أبو إسحاق : معنى " تساءلون به " يعني تطلبون حقوقكم به . ولا معنى للخفض أيضا مع هذا . قلت : هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة " والأرحام " بالخفض ، واختاره ابن عطية . ورده الإمام أبو نصر عبدالرحيم بن عبدالكريم القشيري ، واختار العطف فقال : ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين ؛ لأن القراءات التي قرأ بها{[3878]} أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم ، واستقبح ما قرأ به ، وهذا مقام محذور ، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يشك أحد في فصاحته . وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر ؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء{[3879]} : ( وأبيك لو طعنت في خاصرته ) . ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله ، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه . قال القشيري : وقد قيل هذا إقسام بالرحم ، أي اتقوا الله وحق الرحم{[3880]} ، كما تقول : افعل كذا وحق أبيك . وقد جاء في التنزيل : " والنجم " ، والطور ، والتين ، لعمرك " وهذا تكلف وقلت : لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون " والأرحام " من هذا القبيل ، فيكون أقسم بها{[3881]} كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه . والله أعلم . ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء ، فلا يبعد أن يكون قسما . والعرب تقسم بالرحم . ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها{[3882]} كما حذفها في قوله :
مشائيمُ ليسوا مصلحين عشيرةً *** ولا ناعبٍ إلا ببين غُرابها
فجر وإن لم يتقدم باء . قال ابن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك : والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه . ومنه قوله :
آبَكَ أيِّه بِيَ أو مصدَّرِ *** من حُمْرِ الجِلَّة جَأْبٍ حَشْوَرِ{[3883]}
وما بينها والكعب غَوْطٌ نَفَانِفُ
وقد رام آفاق السماء فلم يجد *** له مَصعدًا فيها ولا الأرض مقعدا
ما إن بها والأمور من تَلَفٍ *** ما حم من أمر غَيْبِهِ{[3884]} وقعا
أمر على الكتيبة لست أدري *** أحتفي كان فيها أم سواها
ف " سواها " مجرور الموضع بفي . وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى : " وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين " {[3885]} [ الحجر : 20 ] فعطف على الكاف والميم . وقرأ عبدالله بن يزيد " والأرحام " بالرفع على الابتداء ، والخبر مقدر ، تقديره : والأرحام أهل أن توصل . ويحتمل أن يكون إغراء ؛ لأن من العرب من يرفع المغرى . وأنشد الفراء{[3886]} :
إن قوما منهم عمير وأشبا ***ه عمير ومنهم السفّاحُ
لجديرون باللقاء إذا قا ***ل أخو النجدة : السلاحُ السلاحُ
وقد قيل : إن " والأرحام " بالنصب عطف على موضع به ؛ لأن موضعه نصب ، ومنه قوله :
فلسنا بالجبال ولا الحديدا{[3887]}
وكانوا يقولون : أنشدك بالله والرحم . والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا .
الثالثة : اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة . وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته : أأصل أمي{[3888]} ( نعم صلي أمك ){[3889]} فأمرها بصلتها وهي كافرة . فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر ، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا : بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى ، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم ، وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر ) . وهو قول أكثر أهل العلم . روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبدالله بن مسعود ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة . وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري ، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق . ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال : الأول - أنه مخصوص بالآباء والأجداد . الثاني - الجناحان يعني الإخوة . الثالث - كقول أبي حنيفة . وقال الشافعي : لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته ، ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته . والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي . وأحسن طرقه رواية النسائي له ، رواه من حديث ضمرة عن سفيان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه ) . وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه ، غير أن النسائي قال في آخره : هذا حديث منكر . وقال غيره : تفرد به ضمرة . وهذا هو معنى المنكر والشاذ في اصطلاح المحدثين . وضمرة عدل ثقة ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره . والله أعلم .
الرابعة : واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة . فقال أكثر أهل العلم : لا يدخلون في مقتضى الحديث . وقال شريك{[3890]} القاضي بعتقهم . وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) . قالوا : فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك ، ولصاحب الملك التصرف . وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع ، فإن الله تعالى يقول : " وبالوالدين إحسانا " {[3891]} [ الإسراء : 23 ] فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب ، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه ، فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث ( فيشتريه فيعتقه ) ، أو لأجل الإحسان عملا بالآية . ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه . وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك ، فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة ، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المذكور في الحديث ، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب ، والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة ، فإنه يقول : أنا ابن أبيه . وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه . والله أعلم .
الخامسة : قوله تعالى : " والأرحام " الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره . وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في{[3892]} منع الرجوع في الهبة ، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة ؛ ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام . فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند . وهم يرون ذلك نسخا ، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة ، وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني{[3893]} الأخوال والخالات . والله أعلم .
السادسة : قوله تعالى : " إن الله كان عليكم رقيبا " ( أي حفيظا ) ، عن ابن عباس ومجاهد . ابن زيد : عليما . وقيل : " رقيبا " حافظا . قيل : بمعنى فاعل . فالرقيب من صفات الله تعالى ، والرقيب : الحافظ والمنتظر ، تقول رقبت أرقب رقبة ورقبانا إذا انتظرت . والمرقب : المكان العالي المشرف ، يقف عليه الرقيب . والرقيب : السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء{[3894]} . ويقال : إن الرقيب ضرب من الحيات ، فهو لفظ مشترك . والله أعلم .
سورة النساء{[1]}
مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران ، والكتاب الذي حدت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس {[2]} بن قيس وأنظاره من الفرقة ، وهذه /السورة من أواخر{[3]} ما نزل ، روى البخاري في فضائل القرآن عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تريه مصحفها ، فقالت : لم ؟ قال : لعلي أؤلف{[4]} القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف{[5]} . قالت : و ما يضرك أيه قرأت{[6]} قبل ، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل ، فيها{[7]} ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء " لا تشربوا " الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر{[8]} أبدا ، ولو نزل " لا تزنوا " لقالوا : لا ندع الزنا أبدا . لقد نزل بمكة{[9]} على محمد {[10]} وإني لجارية ألعب " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " {[11]}وما نزلت{[12]} سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور{[13]} انتهى . وقد عنت بهذا رضي الله عنها أن القرآن حاز أعلى{[14]} البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه{[15]} الأحوال بحسب الأزمان ، ثم رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه{[16]} المفاهيم من المقال{[17]} كما نشاهده من هذا الكتاب البديع المثال البعيد المنال .
ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت{[18]} إليه السورتان قبلها من التوحيد ، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادةً الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت " النساء " لذلك ، ولأن بالاتقاء فيهن تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد { بسم الله } الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج{[19]} في لطائف المقدور { الرحمن } الذي جعل الأرحام رحمة عامة { الرحيم * } الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله{[20]} نعمة تامة .
لما تقرر أمر{[20282]} الكتاب الجامع الذي هو الطريق ، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك ، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع و{[20283]}التواصل والتعاطف والتراحم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس ، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعاً : العلم والشجاعة والعدل والعفة ، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه السلام ، وكانت{[20284]} آل عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنتين{[20285]} منها ، وهما العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية { نزل عليك الكتاب بالحق }[ آل عمران : 3 ] ، { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم }[ آل عمران : 7 ] ، { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم }[ آل عمران : 18 ] ، { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }[ آل عمران : 139 ] ، { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله }[ آل عمران : 146 ] { فإذا عزمت فتوكل على الله }[ آل عمران : 159 ] ، { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله{[20286]} أمواتاً }[ آل عمران : 169 ] ، { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح }[ آل عمران : 172 ] ، { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا }[ آل عمران : 200 ] ، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله ، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جوراً عن سواء السبيل وضلالاً عن أقوم الدليل ؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين ، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين{[20287]} الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة ، وذلك مثمر {[20288]}للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان ، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين ، وما أحسن ابتداؤها بعموم{[20289]} : { يا أيها الناس } بعد اختتام تلك بخصوص " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا{[20290]} " الآية .
ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة{[20291]} من التكاليف ، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها ، فكانت في غاية{[20292]} المشقة على النفوس ، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال : { اتقوا ربكم } أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد ، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية ، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس . ابتدأ هذه ببيان كيفية ابتداء الخلق حثاً على أساس{[20293]} التقوى من العفة والعدل فقال : { الذي } جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها ولا تضيعوها{[20294]} ، وذلك أنه { خلقكم من نفس واحدة } هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام مذكراً{[20295]} بعظيم قدرته ترهيباً للعاصي وترغيباَ للطائع توطئة للأمر بالإرث ، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعاً لسورتين : هذه وهي رابعة النصف الأول ، والحج وهي رابعة النصف الثاني ، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما{[20296]} دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدإ ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد{[20297]} تصويراً لا مزيد عليه ، فدل فيها{[20298]} على المبدإ والمعاد تنبيهاً على أنه محط الحكمة ، ما خلق الوجود إلا{[20299]} لأجله ، لتظهر{[20300]} الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم{[20301]} ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه ، ورتب ذلك على الترتيب الأحكم ، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية ، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى ، وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسلام ، وكانت حقيقة حاله أنه ذكرٌ تولّد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ؛ بين في هذه السورة بقوله - عطفاً على ما تقديره جواباً لمن كأنه قال : كيف كان ذلك ؟ - إنشاء تلك النفس ، أو تكون{[20302]} الجملة حالية - { وخلق منها زوجها } أي مثله في ذلك أيضاً كمثل حواء : أمه ، فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى ، فصار مثله كمثل{[20303]} كل من أبيه وأمه : آدم وحواء معاً عليهما الصلاة والسلام ، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسلام - المندرج تحت آية{[20304]} بعضكم من بعض{[20305]} مع آية البث التي بعد هذه - حاصراً{[20306]} للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها ، وهي بشر{[20307]} لا من ذكر ولا أنثى ، بشر منهما ، بشر من ذكر فقط ، بشر من أنثى فقط ؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق ، وعبر عن غيرها بالجعل ، لخلو السياق عن هذا الغرض ، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسلام ( كذلك الله يفعل ما يشاء{[20308]} }[ آل عمران : 40 ] وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسلام{ يخلق ما يشاء{[20309]} }[ آل عمران : 47 ] ، وأيضاً فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى ، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتدار - لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم ! .
ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية ، ولما كان الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفاً على ما تقديره : وبث لكم منه إليها : { وبث منهما } أي فرق ونشر {[20310]}من التوالد{[20311]} ، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدماً وهو الذي أوجده من العدم نكر{[20312]} لإفهام ذلك قوله : { رجالاً كثيراً ونساءً } من نفس واحدة ؛ كان إحسان{[20313]} كل من الناس إلى كل منهم من صلة{[20314]} الرحم ، و{[20315]}وصف الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة إلى أن لهم عليهن درجة ، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار .
ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيراً إلى أنه جدير{[20316]} بذلك منهم لكونه ربهم ، عطف على ذلك الأمر أمراً آخر مشيراً إلى أنه{[20317]} يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال : { واتقوا الله } أي عموماً لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصاً لما له إليكم من الإحسان والتربية ، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سبباً لتربيتكم .
ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف{[20318]} نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال : { الذين تساءلون } أي يسأل بعضكم بعضاً { به } فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف ، ثم زاد المقصود إيضاحاً فقال : { والأرحام } أي و{[20319]} اتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها ، فإنكم تقولون : ناشدتك بالله والرحم ! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه ، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة . فقال مؤكداً لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال{[20320]} من يشك في أنه بعين الله سبحانه : { إن الله } أي المحيط علماً وقدرة { كان عليكم } وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد { رقيباً * } وخفض حمزة " الأرحام " المقسم بها تعظيماً لها وتأكيداً للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - كما أقسم{[20321]} بالنجم والتين{[20322]} وغيرهما ، والقراءتان{[20323]} مؤذنتان{[20324]} بأن صلة الأرحام من الله بمكان عظيم ، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفاً كما شرحته آية
{ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه{[20325]} }[ الإسراء : 23 ] ، وغيرها - أو كان قسماً ، واتفق المسلمون على أن صلة الرحم واجبة ، وأحقهم بالصلة الولد ، وأول صلته أن يختار له الموضع{[20326]} الحلال .