الأولى : قوله تعالى : " من يشفع " أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد ، ومنه الشفيع ؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا . ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة . وناقة شفيع{[4681]} إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها . والشفع ضم واحد إلى واحد . والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك ؛ فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له .
الثانية : واختلف المتأولون في هذه الآية ، فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم ، فمن يشفع لينفع فله نصيب ، ومن يشفع ليضر فله كفل . وقيل : الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة ، والسيئة في المعاصي . فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر ، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم ، وهذا قريب من الأول . وقيل : يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين ، والسيئة الدعاء عليهم . وفي صحيح الخبر : ( من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل ){[4682]} . هذا هو النصيب ، وكذلك في الشر ؛ بل يرجع شؤم دعائه عليه . وكانت اليهود تدعو على المسلمين . وقيل : المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر ، ومن يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر . وعن الحسن أيضا : الحسنة ما يجوز في الدين ، والسيئة ما لا يجوز فيه . وكأن هذا القول جامع . والكفل الوزر والإثم ، عن الحسن وقتادة . السدي وابن زيد هو النصيب . واشتقاقه من الكساء{[4683]} الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط . يقال : اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه . ويقال له : اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا من الظهر . ويستعمل في النصيب من الخير والشر ، وفي كتاب الله تعالى " يؤتكم كفلين من رحمته{[4684]} " [ الحديد : 28 ] . والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع ؛ لأنه تعالى قال " من يشفع " ولم يقل يشفع . وفي صحيح مسلم ( اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب ) .
الثالثة : قوله تعالى : " وكان الله على كل شيء مقيتا " " مقيتا " معناه مقتدرا ، ومنه قول الزبير بن عبدالمطلب :
وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على مساءته مُقيتا
أي قديرا . فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قوته ، ومنه قوله عليه السلام : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت ) . على من رواه هكذا ، أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره ، ذكره ابن عطية . يقول منه : قته أقوته قوتا ، وأقته أقيته إقاتة فأنا قائت ومقيت . وحكى الكسائي : أقات يقيت . وأما قول الشاعر{[4685]} :
فقال فيه الطبري : إنه من غير هذا المعنى المتقدم ، وإنه بمعنى الموقوف . وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ . وقال الكسائي : المقيت المقتدر . وقال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت ، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان . وقال الفراء : المقيت الذي يعطي كل رجل قوته . وجاء في الحديث : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ) و " يقيت " ذكره الثعلبي : وحكى ابن فارس في المجمل : المقيت المقتدر ، والمقيت الحافظ والشاهد ، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة . والله أعلم .
ولما كان ذلك موجباً للرغبة في طاعة النبي صلى الله عليه وسم لا سيما في الجهاد ، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة ، والإعراض عن كل من كان بصفة المنافقين ، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة{[22166]} عليهم ، والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم ، وكان بين كثير{[22167]} من خلص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم ، الحاملة للشفاعة فيهم ، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول{[22168]} من الأعذار الكاذبة ، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم ، أو في إعانتهم أو{[22169]} إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع له عنه{[22170]} العجز - وفي غير ذلك ، وكانت التوبة معروضة{[22171]} لهم ولغيرهم ، وكان البر ما سكن إليه{[22172]} القلب ، والإثم ما حاك في الصدر ، والإنسان على نفسه بصيرة ، وكانت{[22173]} البواطن لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ، وكان الإنسان ربما أظهر{[22174]} شراً{[22175]} في صورة{[22176]} خير ؛ رغب سبحانه وتعالى في البر ، وحذر{[22177]} من الإثم بقوله - معمماً مستأنفاً في جواب من كأنه قال : أما تقبل فيهم شفاعة - : { من يشفع } أي يوجد ويجدد{[22178]} ، كائناً من كان ، في أي وقت كان { شفاعة حسنة } أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز{[22179]} في الدين ليوصل إليه خيراً ، أو{[22180]} يدفع عنه ضيراً{[22181]} { يكن له نصيب منها } بأجر تسببه في الخير { ومن يشفع } كائناً من كان ، في أي زمان كان { شفاعة سيئة } أي بالذب عن مجرم في أمر لا يجوز ، والتسبب في إعلائه وجبر{[22182]} دائه ؛ وعظّم الشفاعة السيئة لأن درء{[22183]} المفاسد أولى من جلب المصلح ، فقال - معبراً بما يفهم النصيب ويفهم أكثر مه تغليظاً في الزجر{[22184]} - : { يكن له كفل منها } وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق إجرامهم ، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم .
ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي " من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " حَسُنَ{[22185]} اقترانهما جداً ، والنصيب قدر متميز{[22186]} من الشيء{[22187]} يخص من هو له ، وكذا الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب ، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به الضعف ، فكأنه نصيب متكفل بما هو له من إسعاد وإبعاد ؛ قال أهل اللغة : النصيب : الحظ ، والكفر - بالكسر{[22188]} : الضعف والنصيب والحظ ، ومادة " نصب{[22189]} " يدور على العلم المنصوب ، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز{[22190]} والأصل والمرجع والتعب ، فيلزمه الوجع ، ومن لوازمه أيضاً الحد والغاية والجد{[22191]} الوقوف ؛ ومادة " كفل " تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ردفه ، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر ؛ وقال الإمام : الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله
فبشرهم بعذاب أليم }[ آل عمران : 21 والتوبة : 34 والانشقاق : 24 ] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية{[22192]} إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب{[22193]} عند الله سبحانه وتعالى - انتهى . وما غلظ هذا{[22194]} الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل .
ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم{[22195]} بالحقية{[22196]} ، ليكون{[22197]} ذلك زاجراً عن مقارفة{[22198]} شيء منها وإن صغر ؛ عبر {[22199]}في الحسنة{[22200]} بالنصيب ، و{[22201]}في السيئة بالكفل{[22202]} ؛ ويؤيد إرادة هذا أنه تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى ، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع{[22203]} رسول من عند الله ، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب ؛ عبر بالكفل فقال تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته{[22204]} }[ الحديد : 28 ] إلى آخرها .
ولما كان النصيب مبهماً{[22205]} بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة{[22206]} إلى قصور الشافعين ، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به إلا الله سبحانه وتعالى علماً وقدرة ؛ قال تعالى مرغباً و{[22207]}مرهباً : { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام{[22208]} { على كل شيء } من الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة { مقيتاً * } أي حفيظاً وشهيداً وقديراً على إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات ، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد{[22209]} من الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر .