فضل الرؤية فيما لا يُحْتَاجُ إليه معلولٌ كفَضْلِ الكلامِ ، والذي له عند الله مَنْزِلٌ وقَدْرٌ فَلِلْحَقٌ على جميع أحواله غَيْرَةٌ ، إذ لا يَرْضَى منه أنْ يبذل شيئاً من حركاته وسكناته وجميع حالاته فيما ليس الله - سبحانه - فيه رِضاءٌ ، وفي معناه أنشدوا :
فعيني إذا اسْتَحْسَنتْ غَيرَكم *** أَمَرْتُ الدموعَ بتأديبها
ويقال لمّا أَدَّبَه في ألا ينظرَ إلى زينة الدنيا بكمال نظره وَقَفَ على وجه الأرض بِفَرْدِ قَدَمٍ تصاوناً عنها حتى قيل له " طه " أي طَأْ الأرضَ بِقَدَمِك . . ولِمَ كلُّ هذه المجاهدة وكل هذا التباعد حتى تقف بفَرْدٍ قَدَمٍ ؟ طَأْ الأرض بقدميك .
{ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا . . . } الفتنة ما يُشْغَل به عن الحقِّ ، ويستولي حُبُّه على القلب ، ويُجَسِّر وجودُه على العصيان ، ويحمل الاستمتاع به على البَطَر والأشَر .
قوله جلّ ذكره : { وَرِزْقُ رَبِِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } .
القليلُ من الحلال - وفيه رضاءُ الرحمن- خيرٌ من الكثير من الحرام والحطام . . ومعه سُخْطُه . ويقال قليلٌ يُشْهِدُكَ ربَّكَ خيرٌ مِنْ كثير يُنْسِيكَ ربَّك .
ولا تمدن عينيك : لا تطيلن النظر ؛ رغبة واستحسانا .
متعنا : جعلناهم يتلذذون بما يدركون به المناظر الحسنة ، ويشمّون من الروائح الطيبة .
زهرة الحياة الدنيا : زينتها وبهجتها .
131- { ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } .
أعطاك الله الرسالة والنبوة ونجاح الدعوة ، وأعطاك في الآخرة الشفاعة ، وقال سبحانه : { ولسوف يعطيك ربّك فترضى } . ( الضحى : 5 ) . وقال عز شأنه : { عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا } . ( الإسراء : 79 ) . وهو تفسير لقوله تعالى : { لعلّك ترضى } . ( طه : 130 ) .
وهذه الآية تنهي الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد : أمّته ، عن النظر إلى ما أعطى الكفار من زهرة الدنيا ومُتعها ؛ نظر إعجاب وإكبار . أمّا النظرة العاجلة غير الممدودة التي تستكشف الطريق ، وتنظر نظرا غير ممدود ولا مستعظم فلا بأس بها .
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تنظر إلى ما في فيه هؤلاء المترفون ، وأشباههم ونظرائهم من النعيم ؛ فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة ؛ لنختبرهم بذلك ، وقليل من عبادي الشكور .
وقال مجاهد : { أزواجا منهم } . يعني : الأغنياء فقد آتاك الله خيرا ما آتاهم ، كما قال في الآية الأخرى : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم . لا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين } . ( الحجر : 88 ، 87 ) .
{ ولا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم } . من عرض حياة الدنيا ، من زينة ومتاع ، ومال وأولاد ، وجاه وسلطان .
{ زهرة الحياة الدنيا } . التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعة جاذبة ، والزهرة سريعة الذبول ؛ على ما بها من رواء وزواق ، فإنما نمتّعهم بها ابتلاء ؛ { لنفتنهم فيه } . فنكشف عن معادنهم ، بسلوكهم مع هذه النعمة ، وبذلك المتاع ، وهو متاع زائل كالزهرة سرعان ما تذبل .
{ ورزق ربّك خير وأبقى } . وهو رزق للنعمة لا للفتنة ، رزق طيّب خيّرٌ باق ، لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن ، وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة ، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية ، وبالصلة بالله والرضا به ، فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء ، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا ، وتبقى دائما تحسُّ حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تبهر الأنظار24 .
وخلاصة هذا : التنفير من الانهماك في التمتّع بزهرة الدنيا لسوء عاقبتها .
قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } قال أبو رافع : " نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي : قل له إن رسول الله يقول لك بعني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال : والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : والله لئن باعني وأسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في الأرض ، اذهب بدرعي الحديد إليه ، فنزلت هذه الآية : { ولا تمدن عينيك } ، لا تنظر ، { إلى ما متعنا به } أعطينا { أزواجاً } أصنافاً ، { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها ، وقرأ يعقوب : ( زهرة ) بفتح الهاء وقرأ العامة بجزمها ، { لنفتنهم فيه } ، أي لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً ، { ورزق ربك } في المعاد ، يعني : الجنة ، { خير وأبقى } ، قال أبي بن كعب : من لم يستعز بعزة الله تقطعت نفسه حسرات ، ومن يتبع بصره فيما في أيدي الناس يطل حزنه ، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل علمه وحضر عذابه .
وبعد هذا الأمر بالتسبيح ، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال - تعالى : { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ . . . } .
أى : أكثر - أيها الرسول الكريم - من الاتجاه إلى ربك ، ومن تسبيحه وتنزيهه ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة والميل { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } .
أى : إلى ما متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين ، بأن منحناهم الجاه والمال والولد .
وما جعلناه لهم فى هذه الدنيا بمثابة الزهرة التى سرعان ما تلمع ثم تذبل وتزول .
قال الآلوسى : ما ملخصه : { أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } أى : أصنافا من الكفرة ، وهو مفعول { مَتَّعْنَا } قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به .
. . وقيل الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته ، لأنه كان أبعد الناس عن إطالة النظر إليه ، وهو القائل : " الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ما أريد به وجه الله - تعالى - " وكان - صلى الله عليه وسلم - شديد النهى عن الاغترار بها .
ويؤخذ من الآية أن النظر غير الممدود معفو منه ، وكأن المنهى عنه فى الحقيقة هو الإعجاب بذلك ، والرغبة فيه ، والميل إليه .
وقوله : { زَهْرَةَ الحياة الدنيا } أى : زينتها وبهجتها . وهو منصوب بمحذوف يدل عليه { مَتَّعْنَا } .
أى : جعلنا لهم زهرة ، أو على أنه مفعول ثان ، بتضمين متعنا معنى أعطينا ، فأزواجا مفعول أول ، وزهرة هو المفعول الثانى . . .
وقوله : { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } بيان للحكمة من هذا التمتيع والعطاء أى متعنا هؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد . . . لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم بهذا المتاع ، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا ، وإذا استمروا فى طغيانهم وجحودهم وكفرهم ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر .
فالجملة الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدى الكفار من متاع ، لأن هذا المتاع سىء العاقبة ، إذا لم يستعمل فى طاعة الله - تعالى - .
وقوله - سبحانه - : { وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى } تذييل قصد به الترغيب فيما عند الله - تعالى - من طيبات .
أى : وما رزقك الله إياه - أيها الرسول الكريم - فى هذه الدنيا من طيبات . وما ادخره لك فى الآخرة من حسنات ، خير وأبقى مما متع به هؤلاء الكافرين من متاع زائل سيحاسبهم الله - تعالى - عليه يوم القيامة حسابا عسيرا ، لأنهم لم يقابلوا نعم الله عليهم بالشكر ، بل قابلوهم بالجحود والكفران .
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها ، لكى يحيا حياة فاضلة طيبة ، حياة يعتز فيها صاحبها بالمعانى الشريفة الباقية ، ويعرض عن المظاهر والزخارف الزائلة .