أجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد ، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية بأنها تكون طوعاً لا كرهاً ، وفَرْقٌ بين من يجيب لخوفٍ أو طمع وبين من يستجيب لا بِعِوَضٍ ولا على ملاحظة غَرَضٍ . وحقُّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أَنْ تَذَرَ من المستطاع بقية .
والمستجيبُ لربه محوٌ عن كلِّه باستيلاء الحقيقة ، والمستجيب للرسول - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه ، وبالاستجابة للرسول ؛ فالعبدُ المستجيبُ - على الحقيقة - من قام بالله سرَّاً ، واتصف بالشرع جهراً فيُفْرِده الحقُّ - سبحانه - بحقائق الجمع و ( . . . ) في مشاهدة الفرق ، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه تكدير ، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير .
قوله جلّ ذكره : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } .
إذْ لمَّا أفناهم عنهم أحياهم به .
ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته ، وأما العالِمون فأحياهم بدلائل ربوبيته ، بعد ما أفناهم عن الجهل وظلمته . وأما المؤمنون فأحياهم بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم . وأمَّا الموَحِّدونَ فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير ، والملاحظة لكل حدثان .
قوله جلّ ذكره : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .
يصون القلب عن تقليب أربابها فيُقلِّبها كما يشاء هو ، من بيان هداية وضلال ، وغَيبةٍ ووصالٍ ، وحُجْبةٍ وقُرْبة ، ويقينٍ ومرية ، وأُنْسٍ ووحشة .
ويقال صان قلوب العُبَّادِ عن الجنوح إلى الكسل ، فجدُّوا في معاملاتهم ، وصان قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم ، وصان قلوب العارفين - على حدِّ الاستقامة - عن الميْل فتحققوا بدوام مواصلاتهم .
ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى الله ، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل ، ولا على قلوبهم تعويل . وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه ! كما قيل :
لا يهتدي قلبي إلى غيركم *** لأنه سُدَّ عليه الطريق
ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم ، قال تعالى :{ إنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }[ ق : 37 ] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم .
{ يَا أيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أن اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأنهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أن اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 25 ) وَاذْكُرُواْ إِذْ أنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأيدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) يَا أيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَاناتِكُمْ وَأنتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُواْ أنمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأن اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) يِا أيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) }
استجيبوا لله وللرسول : أجيبوه بكمال الطاعة .
إذا دعاكم لما يحييكم : إذا حثكم على الطاعة ، والجهاد الذي فيه حياتكم وسعادتكم .
يحول بين المرء وقلبه : يميته فتفوته فرصة تمكن القلب من الإخلاص والطاعة .
وأنه إليه تحشرون : وأنه إليه تجمعون يوم القيامة ، فيجازيكم على أعمالكم .
24 : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول . . . } الآية .
أيها المؤمنون ، عليكم أن تجيبوا الله وتطيعوا رسوله ، وتمتثلوا أمره ، إذا حثكم على عمل طاعة ، أو خروج للجهاد ، أو اتباع لأحكام الدين ؛ لأن ذلك يحيي قلوبكم بالإيمان ، ويوجهكم إلى الخير ، ويكسبكم العزة والقوة ، فتصير إليكم الغلبة والفوز ، وتحيون حياة طيبة ، واعملوا أن الله أقرب إلى المرء من قلبه الذي هو مناط الحياة والموت ، ومنبع الأمن والخوف ، وأنه وحده هو الذي يصرفه من حال إلى حال ، وهو أملكم له من صاحبه ، فيستطيع أن يكون حائلا بين المرء وقلبه ، ويمكن فيه – على حسب مشيئته – الإيمان والطاعة ، أو الكفر والمعصية ، ويبدله من الخوف أمنا ، أو من الأمن خوفا ، وهو الذي يبعثكم يوم القيامة ، وتجمعون إليه يوم الحساب ليجازي كل نفس بما كسبت .
هذا هو النداء الثالث : بعد أن ركّز الأمر على أساس من الطاعة والتحذير من المخالفة ، ناداهم بإنهاض الهمة وتقوية العزيمة ، والمبادرة إلى الطاعة والامتثال دون إبطاء وتسويف ، وأرشدهم إلى أن ما يدْعَون إليه فيه حياتُهم ، بالعلم والمعرفة ، بالشرف والعزة بالسلطان وعلو الكلمة ، بالسعادة الحقة والنعيم المقيم .
يا أيها الذين آمنوا أجيبوا الله ولبّوه فيما يأمركم به ، وأجيبوا الرسول في تبليغه ما يأمره الله به ، إذا دعاكم الرسول إلى أوامر الله بالأحكام التي فيها حياة أجسامكم وأرواحكم وعقولكم وقلوبكم . فنحن مأمورون أن نطيع الرسول الكريم ونتّبع ما يقول وما يفعل ، وما يأمرنا به وما ينهانا عنه . إن سنّة الرسول الكريم أصل من أصول الإسلام ، والعمل بها عملٌ على حفظ كيان الإسلام وتقدمه ، وفي تركها انحلال الإسلام . كيف نفهم القرآن الكريم لولا سنّة رسوله ؟ لقد وردت الصلاة والزكاة والحج وكثير من أركان الإسلام بألفاظ عامة في القرآن الكريم ، والرسول هو الذي علّمنا إياها وشرحها لنا بأحاديثه وأفعاله .
وهنالك في هذه الأيام فئات من الناس يدعون إلى ترك الحديث وسنة الرسول وعدم الأخذ بها ، وما هذه الدعوة إلا لهدم الإسلام وتقويض أركانه . وهذا خروج عن الإسلام وإلحاد كبير نعوذ بالله منه .
{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } واعلموا علم اليقين أن الله قائم على قلوبكم ، يوجّهها كما يشاء .
روى البخاري وأصحاب السنن قال : كانت يمين النبي «لا ومقلّب القلوب » . وفي صحيح مسلم : «اللهم مصرّف القلوب ، صرِّفْ قلوبنا إلى طاعتك » .
{ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } وأنكم جميعا ستجمعون يوم القيامة يوم البعث والجزاء .
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة للّه وللرسول ، أي : الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه ، والاجتناب لما نهيا عنه ، والانكفاف عنه والنهي عنه .
وقوله : إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وصف ملازم لكل ما دعا اللّه ورسوله إليه ، وبيان لفائدته وحكمته ، فإن حياة القلب والروح بعبودية اللّه تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام .
ثم حذر عن عدم الاستجابة للّه وللرسول فقال : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فإياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم ، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك ، وتختلف قلوبكم ، فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه ، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء .
فليكثر العبد من قول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، يا مصرف القلوب ، اصرف قلبي إلى طاعتك .
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي : تجمعون ليوم لا ريب فيه ، فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بعصيانه .