الاستحياء من الله تعالى بمعنى التَرْك ، فإِذا وصف نفسه بأنه يستحي من شيء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحي فمعناه لا يبالي بفعل ذلك .
والخَلْقُ في التحقيق - بالإضافة إلى وجود الحق - أقلُّ من ذرةٍ من الهباء في الهواء ، لأن هذا استهلاك محدود في محدود ، فسِيَّان - في قدرته - العرش والبعوضة ، فلا خَلْقٌ العرش أشق وأعسر ، ولا خَلْق البعوضة أخف عليه وأيسر ، فإِنه سبحانه مُتَقَدِّسٌ عن لحوق العُسْر واليُسْر .
فإذا كان الأمر بذلك الوصف ، فلا يستحي أن يضرب بالبعوضة مثلاً كما لا يستحي أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلاً .
وقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فَرَّتْ وطارت ، وإذا شبعت تشققت فَتَلِفَتْ - كذلك{ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى }[ العلق : 6 ] .
وقيل ما فوقها يعني الذباب ، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته ، حتى أنه ليعود عند البلاغ في الذب ، ولو كان ذلك في الأسد لم ينجُ منه أحد من الخَلْق ، ولكنه لمَّا خَلَق القوة في الأسد خلق فيه تنافراً من الناس ، ولما خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف ، تنبيهاً منه سبحانه على كمال حكمته ، ونفاذ قدرته .
قوله جلّ ذكره : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً } .
فأمّا من فتحت أبصار سرائره فلا ينظر إلى الأغيار والآثار إلا بنظر الاعتبار ، ولا يزداد إلا نفاذ الاستبصار ، وأمَّا الذين سكرت أبصارهم بحكم الغفلة فلا يزيدهم ضربُ الأمثال إلا زيادة الجهل والإشكال والأنكال .
قوله جلّ ذكره : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِينَ } .
هذا الكتاب لقومٍ شفاءٌ ورحمة ، ولآخرين شقاء وفتنة . فمن تعرَّف إليه يوم الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله :{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ }[ الأعراف : 172 ] تذكَّروا عند ورود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - قديم عهده ، وسابقَ وُدِّه فازدادوا بصيرة على بصيرة ، ومَنْ رَسَمَهُ بِذُلِّ القطيعة ، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة ما ازدادوا عند حصول الدعوة النبوية إلا جُحداً على جُحد ، وما خفي عليهم اليوم صادق الدلالة ، إلا لِمَا تقدم لهم سابقُ الضلالة . لذلك قال الله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ } .
{ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين( 26 ) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون( 27 ) }
مثلا ما : أي مثل كان ، وضرب المثل استعماله فيما ضرب له أي فيما ذكر له .
بعوضة : البعوضة واحدة البعوض وهو نوع صغير من الذباب .
الفاسقين : الخارجين عن طاعة الله .
ضرب الله الأمثال في القرآن لتقريب المعنى الى الأذهان ، وإظهار المعقول في صورة المحسوس ، وقد أخبر سبحانه أنه لايستصغر شيئا يضرب به مثلا ، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة ، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله تعالى : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب . ( الحج 73 ) . وقال سبحانه : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . ( العنكبوت 41 ) .
كما ضرب سبحانه مثلا للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة ، وللكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة ( 56 ) . وضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه في أمور كثيرة منها : التذكير ، والوعظ والحث والزجر والتقرير ، وتقريب المراد للعقل ، وتصويره بصورة المحسوس ؛ فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص ، لأنها أثبتت في الأذهان لاستعانة الذهن منها بالحواس ، ومن ثم كان الغرض تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد( 57 ) .
والأمثال في القرآن مقصود بها إبراز المعنى في صورة رائعة موجزة . والعبرة في المثل ليست في الحجم والشكل ، وإنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير ، وليس في ضرب الأمثال ما يعاب .
وما من شأنه الحياء من ذكره ، لأن العبرة ليست في لفظ المثل ، لكن في مدلوله وفي المعنى الذي يعبر . فإذا رأيت إنسانا مترددا وقلت له ( أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ) ، كان المقصود هنا الإقدام على أمر ثم الإحجام عنه .
وضرب المثل بالذباب والعنكبوت ، مقصود به مدلول المثل لا لفظه ، ( فما استنكره السفهاء وأهل العناد والمراء واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل ليس بموضع للاستنكار والاستغراب من قبل أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب وإدناء المتوهم من المشاهد ، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله ، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك ) . ( 58 ) .
يقرر سبحانه أنه لا يرد في حقه الحياء من ضرب الأمثال للناس في القرآن ، مهما بدا أنها بديهية أو تافهة كبعوضة أو ما هو أعظم منها في الحجم كالذباب والعنكبوت وغيرهما ، فأما الذين آمنوا فيقبلون على تدبر هذه الأمثال ، لأنها وحي من الله لتعينهم على فهم المعاني الصحيحة .
وأما الكافرون منهم الذين يتمحلون ويتساءلون عن مدى مراد الله منها ، وليس غرضهم بهذا السؤال الاستفهام عن الحكمة من ضرب الأمثال ، بنحو العنكبوت والذباب ، بل غرضهم الإيذان بما فيها من الدناءة والحقارة بحيث لا يليق أن يريد الله شيئا من التمثيل بها لهذا يستحيل صدور التمثيل بها عن الله ( وإنما يقول هذه الأمثال محمد من تلقاء نفسه ) ( 59 ) .
وأن الله ليضل بالأمثال القرآنية كثيرين ممن ساء اختيارهم وأظلمت قلوبهم ، ويهدي بها كثيرا ممن حسن اختيارهم واستنارت قلوبهم .
{ وما يضل به إلا الفاسقين } . الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق إلى النفاق والضلال ، فجزاؤهم زيادتهم ممن هم فيه ، قال ابن مسعود وغيره . { يضل به كثيرا } . يعني به المنافقين ، ويهدي به كثيرا . يعني به المؤمنين( 60 ) .
روى المفسرون ( 61 ) عزوا إلى ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين روايتين كسبب لنزول هذه الآية : { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها . . . }
الرواية الأولى : تذكر أن الله لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت والنمل قال المشركون ، أو قال اليهود والمشركون معا : ماذا أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة ، إنه أجل من أن يضرب بها الأمثال .
الرواية الثانية : جاء فيها أن الله لما ضرب المثلين السابقين للمنافقين قال المنافقون : الله أعلى وأجل من ضرب هذه الأمثال( 62 ) .
وقد ذكر صاحب التفسير الحديث أن الرواية الثانية هي الأكثر مناسبة للمقام . وأرى أن الرواية الأولى أكثر اتساقا مع مدلول الآية ، لأن ضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت والنمل واستبعاد المنافقين أو المشركين أن يصدر ذلك عن الله أنسب للآية التي نفسرها .
وقد ذكر الرواية الأولى وحدها مقاتل بن سليمان في تفسيره ، وأوردها ابن كثير مع الرواية الأخرى من غير ترجيح إحداهما ؛ والله حين يضرب المثل للمنافقين فيما سبق ضرب لهم مثلين أحدهما ناري والآخر مائي ، وليس أحدهما بالحقير ولا بالصغير ، وهذا يرجح عند الرواية الأولى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.