في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} (4)

( مالك يوم الدين ) . . وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها كلية الاعتقاد بالآخرة . . والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة . ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة . . وكثيرا ما اعتقد الناس بألوهية الله ، وخلقه للكون أول مرة ؛ ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء . . والقرآن يقول عن بعض هؤلاء : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله ) . . ثم يحكي عنهم في موضع آخر : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون : هذا شيء عجيب . أئذا متنا وكنا ترابا ؟ ذلك رجع بعيد !

والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض ؛ فلا تستبد بهم ضرورات الأرض . وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات . ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود ، وفي مجال الأرض المحصور . وعندئذ يملكون العمل لوجه الله وانتظار الجزاء حيث يقدره الله ، في الأرض أو في الدار الآخرة سواء ، في طمأنينة لله ، وفي ثقة بالخير ، وفي إصرار على الحق ، وفي سعة وسماحة ويقين . . ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب ، والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان . بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية . مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله الرب لعباده ، والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال .

وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر . وما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير . وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها ، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمدا على العوض الذي يلقاه فيها . .

وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل . فهما صنفان مختلفان من الخلق . وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء . . وهذا هو مفرق الطريق . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} (4)

قوله : ( ملك يوم الدين( يوم الدين أي يوم القيامة حيث الحساب والعقاب ، والدين يعني الجزاء ، دانه يدينه أي جازاه ، ومنه ، كما تدين تدان . {[10]}

ويوم القيامة وغيره من مضامين هذا الوجود الهائل مملوك لله الخالق ، فالله عز وعلا مالك الدنيا والآخرة ومالك الحياة والحياء والعالمين ، بل إنه مالك كل شيء .

وتخصيص يوم الدين بالإضافة يحتمل وجهين : أحدهما : تعظيم هذا اليوم المشهود الذي يناقش فيه العباد الحساب ، ويوم القيامة عصيب وحافل بالقوارع والأحداث الفوادح ، لا جرم أن داهية القيامة أمر داهم ومزلزل لا يتصور مداه ذهن أو خيال لهول ما فيه من نوازل وبلايا .

ثانيهما : تعظيم الله سبحانه ، فهو الذي يملك هذا اليوم العصيب وما فيه من أمور وأحداث ومخاليق ، هذا اليوم الذي تنحبس فيه الأنفاس فرقا ورعبا ، وتنحشر فيه الأصوات في الصدور فلا يسمع منها إلا ما كان همسا ، وتغشى العالمين إذ ذاك غواش من الصمت الواجم والتربص الحسير ، وحينئذ يقف العالمون بين يدي الله ضعافا ذاخرين حيارى ، فالله بذلك حقيق بالحمد والعبادة والخضوع له من الخلائق والعالمين .


[10]:المصباح المنير جـ 1 ص 220.