في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} (7)

ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم : ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) . . فهو طريق الذين قسم لهم نعمته . لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه . أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلا إليه . . إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين . .

ختام السورة:

وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة ، والتي لا تصح بدونها صلاة . وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي ؛ وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور .

وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه ، عن أبي هريرة عن رسول الله [ ص ] : " يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل . . إذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين . قال الله : حمدني عبدي . وإذا قال الرحمن الرحيم . قال الله أثني علي عبدي . فإذا قال : مالك يوم الدين . قال الله : مجدني عبدي . وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين . قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " . .

ولعل هذا الحديث الصحيح - بعدما تبين من سياق السورة ما تبين - يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة ؛ أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} (7)

قوله : ( صراط الذين أنعمت عليهم( صراط بدل من الصراط الأول{[12]} والمراد بالمنعم عليهم : النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، وهو قول أكثر المفسرين ، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا( وأنعمت من الإنعام وهو إيصال النعمة وهي في الأصل الحالة التي يستطيبها الإنسان ويستلذها ، ونعمة الله وجوهها وضروبها كثيرة لتشمل أوجه الخير واللين والراحة في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا : فنعم الله على الإنسان عظيمة ومستفيضة ، فمنها : قوة العقل وما يتفرع عن ذلك من فطانة وبراعة وذكاء وإدراك .

ومنها : قوة الجسم بما حواه من حواس البصر والسمع والشم والغرائز ، وما يستلزمه ذلك من أوجه الاستمتاع بالطيبات الدنيا .

ومنها سلامة الفطرة من كل ظواهر المرض والشذوذ ليأتي الطبع بذلك سويا مستقيما خاليا من المعضلات النفسية والعصبية والسلوكية ، وفي هذه الحالة من سلامة الفطرة واستواء النفس والبدن لسوف يجد الإنسان في حياته كامل الراحة والاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا .

وأما في الآخرة فإن النعمة فيها لهي كبرى النعم وهي الفوز الأكمل الذي يحظى به الفائزون في يوم الحساب العصيب ، لا جرم أن نعمة الله بالفوز بجنته ورضاه لهي خير النعم ، وهذا ما يرتجيه المؤمنون المخلصون الحريصون لينجوا من عذاب الله يومئذ ويحظون بثوابه وجزائه .

قوله : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( غير مجرور على البدل من الضمير في قوله : ( عليهم( وقيل : مجرور على البدل من الذين ، وقيل : مجرور على الوصف للذين ، وهو قول الجمهور .

وقيل : ( غير( منصوب على الحال ، أو بتقدير أعني ، أو على الاستثناء المنقطع ، {[13]} ( ولا الضالين( لا ، زائدة للتوكيد ، وقيل : بمعنى غير ، {[14]} والغضب معناه في اللغة الشدة ، والمراد به هنا في صفة الله العقوبة للمذنبين الخاطئين ، والمراد بالمغضوب عليهم : الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق والصواب وعدلوا عنهما فاستحقوا بذلك الغضب من الله .

والمراد بالضالين : الهائمون في الضلالة ، الشاردون عن دين الله الحق ليسدروا في العمى والتيه .

وجملة القول في الصنفين : أنهم الذين فسدت طبائعهم وضلت أذهانهم عن طريق الله المستقيم فسدروا تائهين جامحين ، وانقلبوا خاسرين منتكسين ، وقيل : المراد بالمغضوب عليهم : المشركون ، والمراد بالضالين ، المنافقون ، وقيل ( المغضوب عليهم( : اليهود ، و ( الضالين( : النصارى ، وهو قول الجمهور . {[15]}

ختام السورة:

أما التأمين عقيب قراءة الفاتحة : فهو مستحب لمن يقرأها ، وهو أن يقول « آمين  » وهو دعاء وليس من القرآن ، وهو اسم فعل ومعناه : اللهم استجب لنا ، وفيه لغتان : إحداهما : بالمد ، فهو على وزن فاعل ومثل هابيل وقابيل ، والثانية : بالمقصر ، فهو على وزن فعيل مثل رقيب وعتيد . {[1]}

والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : « آمين  » مد بها صوته ، وفي لفظ أبي داود : رفع بها صوته .

وروى أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : « آمين  » حتى يسمع من يليه من الصف الأول ، وذلك منفردا أو إماما أو مأموما ، وذلك لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : « إذا أمن الإمام فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه  » .

وقد ذهب إلى استحباب التأمين من الإمام والمأموم كثير من أهل العلم وفيهم المالكية والحنابلة ، والشافعي في القديم ، أما الحنفية ، والشافعي في الجديد ، ومالك في رواية عنه ، فقد ذهبوا إلى أن الإمام لا يجهر بالتأمين بل يجهر بها المأموم ، واحتجوا بما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال : « إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ، ثم ليؤمكم أحدكم ، فإذا كثير فكبروا ، وإذا قال : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( فقولوا : آمين يحبكم الله  » .

ومثلما يستحب القول : آمين في الصلاة ، فإنه يستحب قولها أيضا لقارئ الفاتحة خارج الصلاة .

والراجح القول الأول وهو أن يجهر الإمام والمأمون بقراءة « آمين  » وذلك لما يقويه من صحيح الأخبار ، منها ما جاء في الموطأ والصحيحين عن ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « آمين  » وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال : ترك الناس آمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قال : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : « آمين  » حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد . {[2]}


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[2]:مختار الصحاح ص 236.
[12]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 39.
[13]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 41.
[14]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 41.
[15]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 145، وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 26-31 وتفسير البيضاوي ص 4-5.