ثم أعد طالوت جيشه ممن لم يتولوا عن فريضة الجهاد ، ولم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم من أول الطريق . . والسياق القرآني على طريقته في سياقة القصص يترك هنا فجوة بين المشهدين . فيعرض المشهد التالي مباشرة وطالوت خارج بالجنود :
( فلما فصل طالوت بالجنود قال : إن الله مبتليكم بنهر . فمن شرب منه فليس مني ، ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده . فشربوا منه إلا قليلا منهم ) . .
هنا يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل . . إنه مقدم على معركة ؛ ومعه جيش من أمة مغلوبة ، عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة . وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة . هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة . الإرداة التي تضبط الشهوات والنزوات ، وتصمد للحرمان والمشاق ، وتستعلي على الضرورات والحاجات ، وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها ، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء . . فلا بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه ، وصموده وصبره : صموده أولا للرغبات والشهوات ، وصبره ثانيا على الحرمان والمتاعب . . واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش . ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه ، ويؤثر العافية . . وصحت فراسته :
( فشربوا منه إلا قليلا منهم ) . .
شربوا وارتووا . فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده ، تبل الظمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف ! وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم . انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم . وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف ، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة . والجيوش ليست بالعدد الضخم ، ولكن بالقلب الصامد ، والإرادة الجازمة ، والإيمان الثابت المستقيم على الطريق .
ودلت هذه التجربة على أن النية الكامنة وحدها لا تكفي ؛ ولا بد من التجربة العملية ، ومواجهة واقع الطريق إلى المعركة قبل الدخول فيها . ودلت كذلك على صلابة عود القائد المختار الذي لم يهزه تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى . . بل مضى في طريقه .
وهنا كانت التجربة قد غربلت جيش طالوت - إلى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت بعد :
( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) . .
لقد صاروا قلة . وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته : بقيادة جالوت . إنهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم . ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته . إنها التجربة الحاسمة . تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور . وهذه لا يصمد لها إلا من اكتمل إيمانهم ، فاتصلت بالله قلوبهم ؛ وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم ، غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم !
وهنا برزت الفئة المؤمنة . الفئة القليلة المختارة . والفئة ذات الموازين الربانية :
( قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله . والله مع الصابرين ) . .
هكذا . ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ) . . بهذا التكثير . فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو الله . القاعدة : أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار . ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى ؛ ولأنها تمثل القوة الغالبة . قوة الله الغالب على أمره ، القاهر فوق عباده ، محطم الجبارين ، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين .
وهم يكلون هذا النصر لله : ( بإذن الله ) . . ويعللونه بعلته الحقيقية : ( والله مع الصابرين ) فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل . .
قوله تعالى : ( فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) . لما خرج طالوت ببني إسرائيل لملاقاة العدو وأخبر قومه أنه مختبرهم بشيء من امتحان ؛ ليستبين فيهم الصابر الذي يحتمل الشدة ، وهي هنا العطش ، وكذلك الذين يسقطون في أول الطريق ولم يقووا على احتمال البلاء وهم بذلك أحرى ألا يصبروا في الحرب عند ملاقاة العدو . وفي هذا يحدث الله عن ملكهم طالوت إذا أعلمهم أن الله ممتحنهم بنهر سيجاوزونه ، لكنهم ليس لهم أن يشربوا منه ، فمن ضعف وشرب منه ( فليس مني ) أي ليس من أصحابي في هذه الحرب .
ولا يراد بذلك خروجهم من الإيمان أو الملة ، بل خروجهم عن تمام الالتزام وعن كمال الإيمان ، كقوله في الحديث : " من غش فليس منا " أي ليس على طريقنا وهدينا ، وليس على كمال الإيمان وتمام الالتزام .
وقوله : ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) أي سيكون على طريقي وهديي ، أو سيجاوز النهر معي من لم يطعم النهر . ويطعم معناه يذوق ، لم يقل يشرب ؛ كيلا يكون في ذلك تكرار ، بل قال يطعم وهو أقوم تعبيرا وأصح حديثا ، ثم استثنى وقال : ( إلا من اغترف غرفة بيده ) الغرفة منها الفعل غرف يغرف ومنها المغرفة . والغرف باليدين ملؤهما بالماء بعد ضمهما معا ، لكن أكثر القوم سقطوا في الامتحان وانهارت عزائمهم لما رأوا الماء ، فما احتملوا وما صبروا ، فما لبثوا أن شربوا من النهر حتى ارتووا مخالفين أمر قائدهم ، ولم يستقم منهم إلا قليل ممن آمنوا وصبروا وثبتوا على الحق ولم تتزعزع هممهم وعزائمهم أمام فتنة الماء البارد العذب حين العطاش الحارق الشديد ، ولقد جاوز طالوت النهر ومعه القلة من المؤمنين حتى إذا رأوا جحافل العدو الكثيف الزاحف أمامهم ارتعدت قلوب فريق منهم وغشيهم الجزع ونادوا خائفين : ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) أي لا نقدر على الثبات في وجه هذا العدو الكثيف القوي ، لكن الفئة الباقية الأخرى من المؤمنين الصابرين الثابتين على الحق تصدّوا لجالوت وجنوده ، ومكثوا أمامه صامدين أقوياء ، وهم في ذلك يستمدون العون والنصر من الله هاتفين في ثقة ويقين واستبسال ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) وهي حقيقة لا شك فيها . حقيقة تصدق على المؤمنين العاملين المخلصين المحتسبين الذين يمضون على طريق الله وعلى منهجه الحق في ثبات لا يتزعزع ، وعزيمة مكينة صلبة لا تفتر . أولئك هم جنود الله من المؤمنين في كل زمان ومكان يظلون سائرين على صراط الله ، لا يضرهم من خالفهم ، وهم في ذلك صابرون حتى يكتب الله لهم النصر أو الشهادة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.