بعد ذلك يجيء الحديث عن الأمثال التي يضربها الله في القرآن :
( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ، بعوضة فما فوقها ، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ، وأما الذين كفروا فيقولون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ، وما يضل به إلا الفاسقين . الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، ويفسدون في الأرض . . أولئك هم الخاسرون ) . .
وهذه الآيات تشي بأن المنافقين الذين ضرب الله لهم مثل الذي استوقد نارا ومثل الصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق - وربما كان اليهود كذلك والمشركون - قد اتخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة ، ومن وجود أمثال أخرى في القرآن المكي الذي سبق نزوله وكان يتلى في المدينة ، كالذي ضربه الله مثلا للذين كفروا بربهم ( كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) . . وكالذي ضربه الله مثلا لعجز آلهتهم المدعاة عن خلق الذباب : ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه . ضعف الطالب والمطلوب ) . .
نقول : إن هذه الآيات تشي بأن المنافقين - وربما كان اليهود والمشركون - قد وجدوا في هذه المناسبة منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن ، بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله ، وأن الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه ! . . وكان هذا طرفا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة ، كما كان يقوم بها المشركون في مكة .
فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدس ، وبيانا لحكمة الله في ضرب الأمثال ، وتحذيرا لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها ، وتطمينا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانا .
( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ، بعوضة فما فوقها ) . .
فالله رب الصغير والكبير ، وخالق البعوضة والفيل ، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل . إنها معجزة الحياة . معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله . . على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل ، إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير . وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه الاستحياء من ذكره . والله - جلت حكمته - يريد بها اختبار القلوب ، وامتحان النفوس :
( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) . .
ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله ؛ وبما يعرفون من حكمته . وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم ، وحساسية في أرواحهم ، وتفتحا في مداركهم ، واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله .
( وأما الذين كفروا فيقولون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ ) . .
وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته ، المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره . ثم هو سؤال من لا يرجو لله وقارا ، ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرفات الرب . يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار ، أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن الله !
هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير :
( يضل به كثيرا ، ويهدي به كثيرا ، وما يضل به إلا الفاسقين ) . .
والله - سبحانه - يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها ، ويتلقاها عباده ، كل وفق طبيعته واستعداده ، وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه . والابتلاء واحد . . ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق . . الشدة تسلط على شتى النفوس ، فأما المؤمن الواثق بالله وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاء إلى الله وتضرعا وخشية . وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من الله بعدا ، وتخرجه من الصف إخراجا . والرخاء يسلط على شتى النفوس ، فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكرا . وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء . . وهكذا المثل الذي يضربه الله للناس . . ( يضل به كثيرا ) . . ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من الله ، ( ويهدي به كثيرا )ممن يدركون حكمة الله . ( وما يضل به إلا الفاسقين ) . . الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق ، فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه !
قوله تعالى : ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ( .
لما ضرب الله للمنافقين المثلين السابقين وهما : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ( ثم ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ( قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية ، ( إن الله لا يستحي ( فقد بادروا بالتافه من القول على سبيل الهزء والاستخفاف بكلام الله سبحانه وهذان هزء واستخفاف تتقيأهما حناجر الذين لا يدركون مقاصد الكلم الفذ ، وهي مقاصد لا جرم أن تستنهض في الذهن جدية التبصر والتفكير ، لكن هؤلاء الجهلة المستخفين لا يعون من الأمور والأشياء إلا ما يتراءى لهم على السطوح دون ما تدبر متمكن سابر ، وهم كذلك قد خفي عن إدراكاتهم وتصوراتهم المتبلدة أن هذه الأمثال وغيرها لا ترد في القرآن عبثا ولا هي من قبل الكلمات التي تحفل بها السطور . هي أمثال تعرض للمعاني على شاكلة مرغوبة مثيرة تعين على الكشف عن مقاصد القرآن ومكتوباته التي تنقضي .
وقوله : ( إن الله لا يستحي ( لفظ الجلالة : اسم إن منصوب ، والجملة الفعلية المنفية بعده في محل رفع خبر إن ، ويستحي من الاستحياء وهو بالنسبة لبني البشر معلوم ، لكنه بالنسبة لله ينبغي تأويله بما يتلاءم وجلاله سبحانه ، ولعل خير ما يرد من تأويل لمعنى الاستحياء هنا بأنه الامتناع أو الاستكفاف ، وقيل : معناه الخشية ، ويترجح القول الأول ، وبذلك يكون معنى الآية على هذا الأساس : إن الله لا يستنكف أن يضرب مثلا من البعوضة ونحوها أو دون ذلك .
وقيل في إعراب ( مثلا ( مفعول به منصوب ، و ( ما ( زائدة ، و ( بعوضة ( بدل من ( مثلا ( وقيل غير ذلك من وجوه الإعراب مع أن الأول هو الراجح والله أعلم .
وقوله : ( فما فوقها ( الفاء بمعنى الى وتحتمل الفوقية هنا معنيين : أحدهما الدون ، أي الأصغر والأشد حقارة .
وثانيهما : الكبر ، أي يضرب مثلا بالبعوضة وبما أكبر منها .
وقوله : ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ( ذلك إطراء للمؤمنين وثناء عليهم لسرعة تصديقهم بما يتنزل من السماء بوساطة الوحي ، يستوي في ذلك الأمثال والآيات والأخبار ، فهم بذلك يعلمون في يقين أن المثل المضروب في الآية لهو مثل حق جدير بإعمال الفكر وتركيز النظر من أجل الخلوص إلى معطيات شتى منها الربط والتقريب ، ومنها الكشف والتيسير بما يمكن الإنسان الحريص من الوعي والاستفادة .
ولدى الكتابة في هذه المسألة نشهد في تثبت مستيقن أن هذا المثل حق من الله وأنه ليس من العبث أو اللغو في شيء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . بل إن الله يضرب الأمثال الكثيرة لكي يتدبر الناس ويتبصروا وليكون لهم من ذلك ما يحمل أذهانهم على الوعي والإدراك وما يحمل قلوبهم وطبائعهم على الإيمان والاستيقان .
والحق خلاف الباطل وهو مصدر للفعل الماضي حق بمعنى وجب وثبت ، فالحق هو الوجوب والتثبت واليقين ، وتلك أمور لا يخالطها شك أو باطل .
قوله : ( وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ( .
الذين ، اسم موصول في محل رفع مبتدأ والجملة الفعلية ( فيقولون ( وما بعدها خبر ، والجملة من مقول القول في محل نصب مفعول به للفعل فيقولون .
ويتساءل الكافرون في جحود ونكر عن الذي يريده الله من ضربه لهذا المثل ، وهو تساؤل سقيم وظالم يضيف إلى سجل الكفرة والمشركين مزيدا من الجهالات والضلالات التي تكشف عن عقول قد سميت العطب فلم تعد تقتدر على الاستفادة والاستبصار .
وقوله : ( ماذا ( جاء في إعرابها أكثر من قول : فقد ذهب بعضهم إلى أنها تشكل جملة اسمية من مبتدأ وخبر أي أن ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ، وذا معناه الذي في محل رفع خبر مبتدأ ، وقيل : إن ( ماذا ( بمنزلة اسم واحد يفيد الاستفهام وهو في محل نصب مفعول به للفعل أراد ، وقوله ( مثلا ( منصوب على التمييز . {[32]}
قوله : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ( الضلال معناه في اللغة الضياع ، والإضلال التضييع ، والإنسان الضال هو الشخص الضائع الذي يسير على غير بصيرة أو هدى ، أما الهدى فهو يعني البيان أي الوضوح المتكشف المستبين .
وسبيل الهدى هي التي تتصف بالاعتدال والاستقامة كي يتيسر فيها المسير بغير تعثر . وأما المقصود الذي يعود إليه الضمير في قوله : ( به ( فهو المثل المضروب الذي سخر منه المنافقون وأهل الكتاب يحفزهم إلى ذلك الغباء المطبق والحماقة الكبيرة .
ولا يسخر من ذلك المثل الرباني المضروب إلا من كان في علم الله الأزلي ضالا ، وكثيرون هم الذين يميلون عن صراط الله والذين تجنح قلوبهم وعقولهم نحو الخطأ من التصور فيحتسبون في علم الله مجرمين ضالين ، وفي المقابل هؤلاء الجانحين إلى الهاوية يقف فريق المؤمنين الصادقين الذين استروحت أنفسهم مذاق العقيدة والإيمان والذين أخبتت قلوبهم ومشاعرهم لأمر الله إخباتا .
قوله : ( وما يضل به إلا الفاسقين ( من الفسق وهو الخروج ، سميت الفأرة فويسقة ، وذلك لخروجها كي تعبث وتؤذي ، والفاسقين منصوب على المفعولية للفعل يضل وفي الآية تبين لهذا الفريق الضال من الناس لما جحدوا الأمثال المضروبة الكريمة التي عرض لها القرآن من بين آياته ، وهي أمثال ربانية تتوارد في سياق القرآن لمعاني وأغراض توضيحية تتعامى عنها أبصار الذين أضلهم الله على علم ، وأولئك هم الفاسقون الذين خرجوا من ظل الرحمن ليلجوا طائعين حومة الشيطان .