هناك أكثر من مناسبة واحدة ، تربط بين مطلع هذا الدرس ؛ وبين محور السورة كلها ، وموضوعاتها الأساسية من ناحية ؛ وبينه وبين موضوعات الدرس السابق في هذا الجزء من ناحية أخرى .
فهذا الدرس بدء جولة في تنظيم حياة المجتمع المسلم ؛ وتخليصه من رواسب الجاهلية ، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة ؛ والتحذير من أهل الكتاب - وهم اليهود بالمدينة - وما جبلوا عليه من شر ونكر ؛ وما ينفثونه في المجتمع المسلم ، وما يبذلونه من جهود لتعويق نموه وتكامله - وبخاصة من الناحية الأخلاقية ، وناحية التكافل والتعاون ، اللتين هما موضع القوة النامية في هذا المجتمع الجديد . .
ولأن الدرس الجديد جولة جديدة ، فقد بدأ بالقاعدة الأولية التي يقوم عليها المجتمع المسلم - قاعدة التوحيد الخالص - التي تنبثق منها حياته ؛ وينبثق منها منهج هذه الحياة ، في كل جانب ، وفي كل اتجاه .
وقد سبق هذا الدرس أشواط منوعة في التنظيم العائلي ، والتنظيم الاجتماعي . وكان الحديث في الدرس السابق عن الأسرة وتنظيمها ووسائل صيانتها ، والروابط التي تشدها وتوثق بناءها . . فجاء هذا الدرس يتناول علاقات إنسانية - في المجتمع المسلم - أوسع مدى من علاقات الأسرة ؛ ومتصلة بها كذلك . متصلة بها بالحديث عن الوالدين . ومتصلة بها في توسعها بعد علاقة الوالدين ، لتشمل علاقات أخرى ؛ ينبع الشعور بها من المشاعر الودود الطيبة التي تنشأ في جو الأسرة المتحابة ؛ حتى تفيض على جوانب الإنسانية الأخرى ؛ ويتعلمها الإنسان - أول من يتعلمها - في جو الأسرة الحاني ومحضنها الرفيق . ومن هناك يتوسع في علاقاته بأسرة الإنسانية كلها ؛ بعدما بذرت بذورها في حسه أسرته الخاصة القريبة .
ولأن في الدرس الجديد توجيهات إلى رعاية الأسرة القريبة - العائلة - والأسرة الكبيرة - الإنسانية - وإقامة قيم وموازين في هذا الحقل ، للباذلين وللباخلين . . فقد ابتدأ الدرس بالقاعدة الأساسية التي تنبثق منها كل القيم والموازين - كما ينبثق منها منهج الحياة كله في المجتمع المسلم - وهي قاعدة التوحيد . . وربط كل حركة وكل نشاط ، وكل خالجة وكل انفعال بمعنى العبادة لله . التي هي غاية كل نشاط إنساني ، في ضمير المسلم وفي حياته . .
وبسبب من الحديث عن عبادة الله وحده - في محيطها الشامل - جاءت الفقرة الثانية في الدرس ؛ تبين بعض أحكام الصلاة والطهارة ؛ وتتخذ خطوة في طريق تحريم الخمر - ولم تكن قد حرمت بعد - باعتبار هذه الخطوة جزءا من برنامج التربية الإسلامية العامة الدائبة الخطى في المجتمع الوليد . وباعتبار علاقتها بالعبادة والصلاة والتوحيد . .
حلقات متماسكة بعضها مع بعض . ومع الدرس السابق . ومع محور السورة كذلك .
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ، وبالوالدين إحسانًا ، وبذي القربي واليتامى والمساكين ، والجار ذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب ، وابن السبيل ، وما ملكت أيمانكم . . إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله . وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا . والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ! وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ، وكان الله بهم عليما . إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، وإن تك حسنة يضاعفها ، ويؤت من لدنه أجرا عظيما . فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ؟ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ، ولا يكتمون الله حديثا . .
هذه الفقرة تبدأ بالأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن إشراك شيء به . . تبدأ بحرف عطف يربط بين هذا الأمر ، وهذا النهي ، والأوامر السابقة الخاصة بتنظيم الأسرة في أواخر الدرس الماضي . فيدل هذا الربطبين الموضوعين على الوحدة الكلية الشاملة المتكاملة في هذا الدين . فليس هو مجرد عقيدة تستكن في الضمير ؛ ولا مجرد شعائر تقام وعبادات ؛ ولا مجرد تنظيم دنيوي منقطع الصلة بالعقيدة وبالشعائر التعبدية . . إنما هو منهج يشمل هذا النشاط كله ، ويربط بين جوانبه ، ويشدها جميعا إلى الأصل الأصيل . وهو توحيد الله . والتلقي منه وحده - في هذا النشاط كله - دون سواه . توحيده إلها معبودا . وتوحيده مصدرا للتوجيه والتشريع لكل النشاط الإنساني أيضا . لا ينفك هذا التوحيد عن ذاك - في الإسلام - وفي دين الله الصحيح على الإطلاق .
ويلي الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك ، الأمر بالإحسان إلى تلك المجموعات من الأسرة الخاصة ، والأسرة الإنسانية ؛ وتقبيح البخل والخيلاء والفخر وأمر الناس بالبخل ، وكتمان فضل الله - من أي نوع سواء كان من المال أم من العلم والدين - والتحذير من اتباع الشيطان ؛ والتلويح بعذاب الآخرة ، وما فيه من خزي وافتضاح . . لربط هذا كله بالتوحيد ؛ وتحديد المصدر الذي يتلقى منه من يعبد الله ولا يشرك به شيئا . وهو مصدر كذلك واحد لا يتعدد ولا يشاركه أحد في التوجيه والتشريع ؛ كما لا يشاركه أحد في الألوهية وعبادة الناس له بلا شريك .
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا . وبالوالدين إحسانا . وبذي القربى واليتامى والمساكين ، والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب . وابن السبيل ، وما ملكت أيمانكم . . . ) .
إن التشريعات والتوجيهات - في منهج الله - إنما تنبثق كلها من أصل واحد ، وترتكز على ركيزة واحدة . إنها تنبثق من العقيدة في الله ، وترتكز على التوحيد المطلق سمة هذه العقيدة . . ومن ثم يتصل بعضها ببعض ؛ ويتناسق بعضها مع بعض ؛ ويصعب فصل جزئية منها عن جزئية ؛ وتصبح دراسة أي منها ناقصة بدون الرجوع إلى أصلها الكبير الذي تلتقي عنده ؛ ويصبح العمل ببعضها دون البعض الآخر غير واف بتحقيق صفة الإسلام ؛ كما أنه غير واف بتحقيق ثمار المنهج الإسلامي في الحياة .
من العقيدة في الله تنبع كل التصورات الأساسية للعلاقات الكونية والحيوية والإنسانية . تلك التصورات التي تقوم عليها المناهج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والعالمية . والتي تؤثر في علاقات الناس بعضهم ببعض ، في كل مجالي النشاط الإنساني في الأرض ؛ والتي تكيف ضمير الفرد وواقع المجتمع ؛ والتي تجعل المعاملات عبادات - بما فيها من اتباع لمنهج الله ومراقبة الله - والعبادات قاعدة للمعاملات - بما فيها من تطهير للضمير والسلوك - والتي تحيل الحياة في النهاية وحدة متماسكة ؛ تنبثق من المنهج الرباني ، وتتلقى منه وحده دون سواه ، وتجعل مردها في الدنيا والآخرة إلى الله .
هذه السمة الأساسية في العقيدة الإسلامية ، وفي المنهج الإسلامي ، وفي دين الله الصحيح كله ، تبرز هنا في تصدير آية الإحسان إلى الوالدين والأقربين ، وغيرهم من طوائف الناس . بعبادة الله وتوحيده - كما أسلفنا - ثم في الجمع بين قرابة الوالدين ، وقرابة هذه الطوائف من الناس ، متصلة هذه وتلك بعبادة الله وتوحيده - كذلك - وذلك بعد أن جعل هذه العبادة وهذا التوحيد واسطة ما بين دستور الأسرة القريبة في نهاية الدرس الماضي ، ودستور العلاقات الإنسانية الواسعة في هذا الدرس - على النحو الذي بينا من قبل - ليصلها جميعا بتلك الآصرة التي تضم الأواصر جميعا ؛ وليوحد المصدر الذي يشرع ويوجه في شأن هذه الأواصر جميعا . .
اعبدوا الله . . ولا تشركوا به شيئًا . .
الأمر الأول بعبادة الله . . والنهي الثاني لتحريم عبادة أحد - معه - سواه . نهيا باتا ، شاملا ، لكل أنواع المعبودات التي عرفتها البشرية : ( ولا تشركوا به شيئًا ) شيئا كائنا ما كان ، من مادة أو حيوان أو إنسانأو ملك أو شيطان . . فكلها مما يدخل في مدلول كلمة شيء ، عند إطلاق التعبير على هذا المنوال . .
ثم ينطلق إلى الأمر بالإحسان إلى الوالدين - على التخصيص - ولذوي القربي - على التعميم - ومعظم الأوامر تتجه إلى توصية الذرية بالوالدين - وإن كانت لم تغفل توجيه الوالدين إلى الذرية ؛ فقد كان الله أرحم بالذراري من آبائهم وأمهاتهم في كل حال . والذرية بصفة خاصة أحوج إلى توجيهها للبر بالوالدين . بالجيل المدبر المولي . إذ الأولاد - في الغالب - يتجهون بكينونتهم كلها ، وبعواطفهم ومشاعرهم واهتماماتهم إلى الجيل الذي يخلفهم ؛ لا الجيل الذي خلفهم ! وبينما هم مدفوعون في تيار الحياة إلى الأمام ، غافلون عن التلفت إلى الوراء ، تجيئهم هذه التوجيهات من الرحمن الرحيم ، الذي لا يترك والدا ولا مولودا ، والذي لا ينسى ذرية ولا والدين ؛ والذي يعلم عباده الرحمة بعضهم ببعض ، ولو كانوا ذرية أو والدين !
كذلك يلحظ في هذه الآية - وفي كثير غيرها - أن التوجيه إلى البر يبدأ بذوي القربي - قرابة خاصة أو عامة - ثم يمتد منها ويتسع نطاقه من محورها ، إلى بقية المحتاجين إلى الرعاية من الأسرة الأنسانية الكبيرة . وهذا المنهج يتفق - أولا - مع الفطرة ويسايرها . فعاطفة الرحمة ، ووجدان المشاركة ، يبدآن أولا في البيت . في الأسرة الصغيرة . وقلما ينبثقان في نفس لم تذق طعم هذه العاطفة ولم تجد مس هذا الوجدان في المحضن الأول . والنفس كذلك أميل إلى البدء بالأقربين - فطرة وطبعا - ولا بأس من ذلك ولا ضير ؛ ما دامت توجه دائما إلى التوسع في الدائرة من هذه النقطة ومن هذا المحور . . ثم يتفق المنهج - ثانيا - مع طريقة التنظيم الاجتماعي الإسلامية : من جعل الكافل يبدأ في محيط الأسرة ؛ ثم ينساح في محيط الجماعة . كي لا يركز عمليات التكافل في يد الأجهزة الحكومية الضخمة - إلا عندما تعجز الأجهزة الصغيرة المباشرة - فالوحدات المحلية الصغيرة أقدر على تحقيق هذا التكافل : في وقته المناسب وفي سهولة ويسر . وفي تراحم وود يجعل جو الحياة لائقا ببني الإنسان !
وهنا يبدأ بالإحسان إلى الوالدين . ويتوسع منهما إلى ذوي القربي . ومنهم إلى اليتامى والمساكين - ولو أنهم قد يكونون أبعد مكانا من الجار . ذلك أنهم أشد حاجة وأولى بالرعاية - ثم الجار ذو القرابة . فالجار الأجنبي - مقدمين على الصاحب المرافق - لأن الجار قربه دائم ، أما الصاحب فلقاؤه على فترات - ثم الصاحب المرافق - وقد ورد في تفسيره أنه الجليس في الحضر ، الرفيق في السفر - ثم ابن السبيل . العابر المنقطع عن أهله وماله . ثم الرقيق الذين جعلتهم الملابسات " ملك اليمين " ولكنهم يتصلون بآصرة الإنسانية الكبرى بين بني آدم أجمعين .
قوله تعالى : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجانب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) العبودية تعني التذلل والخضوع لله وحده والإخلاص له في القول والفعل . حتى إن العبادة التي يشوبها رياء أو نقص في الإخلاص فإنها غير مقبولة إذ لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا لله تماما . قال سبحانه في هذا الصدد : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله ( ص ) قال : " عن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : " الرياء ، يقول الله يوم القيامة ، إذا جزى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " . وبذلك يأمر الله سبحانه عباده أن يخلصوا له العبادة بعبادته وحده من غير شريك ذلك أن الإشراك بالله هو أكبر الكبائر وأعظم العظائم . والله تعالى أشد ما يغضب للإشراك به من قبل العباد كيفما كانت صورة الشرك ، وصور الشرك كثيرة وشتى فمنها أن يتخذ الناس مع الله آلهة أخرى كالأوثان والأوطان والملوك ، فكل أولئك أصناف من الشركاء التي يتخذ منها الناس آلهة تعبد مع الله أو من دونه . ومنها الرياء وهو إحساس خفي يخالط قلب الإنسان فيحرفه عن الإخلاص لله في القول والعمل ليبتغي بذلك إطراء الناس وثناءهم .
قوله : ( وبالوالدين إحسانا ) إحسانا مصدر لفعل محذوف تقديره أحسنوا . والله يأمر بالإحسان لجملة من الناس يأتي في طليعتهم أحقهم بالفضل والإجلال والتكريم ، وهما الوالدان . وقد قال العلماء : إن أحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة والإذعان ذلكما اللذان قرن الله الإحسان إليهما بعبادته سبحانه ألا وهما الوالدان . ويبدو ذلك في قوله تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك ) وقد قال النبي ( ص ) : " رضا الرب في رضا الوالدين ، وسخطه في سخط الوالدين " . والإحسان للوالدين في هذه الآية لا يرد على سبيل الندب والاستحباب ، بل هو وارد مورد الفرضية والإيجاب . فإن طاعة الوالدين في غير معصية والإحسان إليهما وبرهما أمور أوجبها الله إيجابا على كل مسلم عاقل بالغ له أبوان أو أحدهما على قيد الحياة . وليس في معصيتهما والنكول عن البر بهما والإحسان إليهما أو أحدهما إلا ضرب من ضروب الجريمة الكبرى التي يسقط فيها الخاسرون التعساء ، وهي جريمة بشعة نكراء قد شدد الإسلام في الإغلاظ عليها بأنها إحدى السبل التي تؤدي بالعاقين العصاة إلى جهنم والعياذ بالله .
وتوجب الآية كذلك الإحسان لذوي القربى بعد أن عطفهم على الوالدين . وأولوا القربى هم الذين تربطهم بالمرء رابطة النسب على اختلاف درجاتهم ، سواء كانوا من أولي الأرحام أو العصبات وسواء كانوا من الورثة أو غير وارثين .
وكذلك توصي الآية بالإحسان للمساكين وهم جمع تكسير مفردة مسكين . وفي بيان حقيقة المسكين قد وردت أقوال كثيرة مختلفة لعل أصوبها وأرجحها أن المسكين هو الذي يملك من المال والمؤونة ما لا يكفيه . فهو بذلك من ذوي الحاجة الذين ليس لديهم ما يكفي لسد حاجتهم فهؤلاء يجدر بالمسلمين أن يحدبوا عليهم وأن يحسنوا إليهم بمختلف وجوه الإحسان .
وقوله : ( والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ) الجار من الجوار وهو الأمان والعهد وإعطاء الرجل ذمة فيكون بها جاره فيجيره . يقال " هو في جواري " أي في عهدي وأماني{[745]} . وفي كلمة الجار ما يوحي بوجوب صون الجار من الضرر وكف الأذى عنه ثم الإحسان إليه باعتباره داخلا في الجوار لجاره أي في أمانه وعهده . وهذه مرتبة عظيمة يحتلها الجار من حيث وجوب الإحسان إليه ودفع الشر والبوائق عنه . وإسداء النصح والبر وكل وجوه البر والخير له .
وفي الآية تقسيم للجار إلى صنفين . أولهما : الجار ( ذي القربى ) أي القريب ، ثانيهما : ( الجار الجنب ) . وهو الغريب . وقيل المقصود بالجار ذي القربى المسلم . أما الجار الجنب فهو النصراني أو اليهودي وكل هؤلاء موصى بهم سواء كانوا أقرباء أم غرباء ، أو كانوا مسلمين أو غير مسلمين . وقد أوصى النبي ( ص ) بالجار حق التوصية وعلى نحو ينتزع الاهتمام البالغ بالجار وحقه فقد روى أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ( ص ) قال : " وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " وروى البخاري ومسلم عن أبي شريح أن النبي ( ص ) قال : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن " قيل : يا رسول الله ومن ؟ قال : " الذي لا يأمن جاره بوائقه " . وروى البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي ( ص ) أنه قال : " الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد ، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام . والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار . والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار " .
أما في حد الجوار فقد قيل إن حده أربعون دارا من كل ناحية استنادا إلى الحديث الذي يقول : " ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " وفي إكرام الجار أخرج مسلم عن أبي ذر أن النبي ( ص ) قال : " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " .
وذلكم حديث آخر قد جمع فيه النبي ( ص ) حقوق الجار وهو مروي عن معاذ بن جبل قال : " قلنا يا رسول الله ، ما حق الجار ؟ قال : " إن استقرضك أقرضته ، وإن استعانك أعنته ، وإن احتاج أعطيته ، وإن مرض عدته ، وإن مات تبعت جنازته ، وإن أصابه خير سرّك وهنيته ، وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزّيته ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه ، وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها ، وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله " .
وقوله : ( والصاحب بالجنب ) قيل في تفسيره : هو الرفيق في السفر . وقيل : هي الزوجة ، وقيل : الضيف والقول الأول أرجح والله أعلم .
قوله : ( وابن السبيل ) قيل هو الضيف . وقيل هو الذي يمر بك مجتازا في السفر ، وهذا الأرجح .
قوله : ( وما ملكت أيمانكم ) هم المماليك أو الأرقاء يوصي الله سبحانه بالإحسان إليهم وألا يمسوا بأذى يكرهونه . وقد جعل النبي ( ص ) يوصي بهم في مرض موته ويقول : " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم " جعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه . وفي البر بالمماليك وجوب الإحسان إليهم ورفع الأذى والظلم عنهم روى البخاري ومسلم عن أبي ذر أن النبي ( ص ) قال : " هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم " وقال عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا سيء الملكة " أي الذي يسيء معاملة من عنده من مماليك .
قوله : ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) . المختال هو ذو الخيلاء المستكبر الذي يجد نفسه عظيما ولا يقوم بحقوق أحد فهو يأنف من أقاربه وجيرانه إذا كانوا ضعفاء ، بل يأنف من ضعاف الناس ومحاويجهم فلا يحسن عشرتهم . قال صاحب الكشاف في المختال : التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم .
وأما الفخور فهو الذي يعدد مناقبه ويمتن على عباد الله بما أعطاه الله{[746]} .