في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (2)

ثم يستأنف نداء الذين آمنوا لينهاهم عن استحلال حرمات الله :

( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله . ولا الشهر الحرام . ولا الهدي . ولا القلائد . ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . وإذا حللتم فاصطادوا )

وأقرب ما يتجه إليه الذهن في معنى ( شعائر الله ) في هذا المقام أنها شعائر الحج والعمرة وما تتضمنه من محرمات على المحرم للحج او العمرة حتى ينتهي حجه بنحر الهدي الذي ساقه إلى البيت الحرام ؛ فلا يستحلها المحرم في فترة إحرامه ؛ لأن استحلالها فيه استهانة بحرمة الله الذي شرع هذه الشعائر . وقد نسبها السي القرآني إلى الله تعظيما لها ، وتحذيرا من استحلالها .

والشهر الحرام يعني الأشهر الحرم ؛ وهي رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة والمحرم . وقد حرم الله فيها القتال - وكانت العرب قبل الإسلام تحرمها - ولكنها تتلاعب فيها وفق الأهواء ؛ فينسئونها - أي يؤجلونها - بفتوى بعض الكهان ، أو بعض زعماء القبائل القوية ! من عام إلى عام . فلما جاء الإسلام شرع الله حرمتها ، وأقام هذه الحرمة على أمر الله ، يوم خلق الله السماوات والأرض كما قال في آية التوبة : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم . ذلك الدين القيم . . ) وقرر أن النسيء زيادة في الكفر . واستقام الأمر فيها على أمر الله . . ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين ، فإن لهم حينئذ ان يردوا الاعتداء ؛ وألا يدعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم - وهم لا يرعون حرمتها - ويتترسون خلفها للنيل من المسلمين ، ثم يذهبون ناجين ! وبين الله حكم القتال في الأشهر الحرم كما مر بنا في سورة البقرة .

والهدي وهو الذبيحة التي يسوقها الحاج أو المعتمر ؛ وينحرها في آخر أيام الحج أو العمرة ، فينهي بها شعائر حجه أو عمرته . وهي نافة أو بقرة أو شاة . . وعدم حلها معناه ألا ينحرها لأي غرض آخر غير ما سيقت له ؛ ولا ينحرها إلا يوم النحر في الحج وعند انتهاء العمرة في العمرة . ولا ينتفع من لحومها وجلودها وأشعارها وأوبارها بشيء ؛ بل يجعلها كلها للفقراء .

والقلائد . وهي الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها - أي يضعون في رقبتها قلادة - علامة على نذرها لله ؛ ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه - ومنها الهدي الذي يشعر : أي يعلم بعلامة الهدي ويطلق إلى موعد النحر - فهذه القلائد يحرم احلالها بعد تقليدها ؛ فلا تنحر إلا لما جعلت له . . وكذلك قيل : إن القلائد هي ما كان يتقلد به من يريدون الأمان من ثأر أو عدو أو غيره ؛ فيتخذون من شجر الحرم ما يتقلدون به ، وينطلقون في الأرض لا يبسط أحد يده إليهم بعدوان - وأصحاب هذا القول قالوا : إن ذلك قد نسخ بقول الله فيما بعد : ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) . . وقوله : ( فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) . . والأظهر القول الأول ؛ وهو أن القلائد هي الأنعام المقلدة للنذور لله ؛ وقد جاء ذكرها بعد ذكر الهدي المقلد للنحر للحج أو العمرة ، للمناسبة بين هذا وذاك .

كذلك حرم الله آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . . وهم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال وطلب الرضوان من الله . . حجاجا أو غير حجاج . . وأعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام .

ثم أحل الصيد متى انتهت فترة الإحرام ، في غير البيت الحرام ، فلا صيد في البيت الحرام : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) . .

إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام ؛ كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم . . منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى . وأن يروعها العدوان . . إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت ؛ استجابة لدعوة إبراهيم - أبي هذه الأمة الكريم - ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام - في ظل الإسلام - وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه ؛ ليحرص عليه - بشروطه - وليحفظ عقد الله وميثاقه ، وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام ، وفي كل مكان . .

وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان ، يدعو الله الذين آمنوا به ، وتعاقدوا معه ، أن يفوا بعقدهم ؛ وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم . . دور القوامة على البشرية ؛ بلا تأثر بالمشاعر الشخصية ، والعواطفالذاتية ، والملابسات العارضة في الحياة . . يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية ؛ وقبله كذلك ؛ وتركوا في نفوس المسلمين جروحا وندوبا من هذا الصد ؛ وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض ، فهذا كله شيء ؛ وواجب الأمة المسلمة شيء آخر . شيء يناسب دورها العظيم :

( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب ) . .

إنها قمة في ضبط النفس ؛ وفي سماحة القلب . . ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء .

إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس . . التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجا من السلوك الذي يحققه الإسلام ، ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام . وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة ؛ تجذب الناس إليه وتحببهم فيه .

وهو تكليف ضخم ؛ ولكنه - في صورته هذه - لا يعنت النفس البشرية ، ولا يحملها فوق طاقتها . فهو يعترف لها بأن من حقها أن تغضب ، ومن حقها أن تكره . ولكن ليس من حقها أن تعتدي في فوره الغضب ودفعة الشنآن . . ثم يجعل تعاون الأمة المؤمنة في البر والتقوى ؛ لا في الإثم والعدوان ؛ ويخوفها عقاب الله ، ويأمرها بتقواه ، لتستعين بهذه المشاعر على الكبت والضبط ، وعلى التسامي والتسامح ، تقوى لله ، وطلبا لرضاه .

ولقد استطاعت التربية الإسلامية ، بالمنهج الرباني ، أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القوية ، والاعتياد لهذا السلوك الكريم . . وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوى وعن هذا الاتجاه . . كان المنهج العربي المسلوك والمبدأ العربي المشهور : " أنصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . . كانت حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية . كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى ؛ وكان الحلف على النصرة ، في الباطل قبل الحق . وندر أن قام في الجاهلية حلف للحق . وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله ؛ ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله . . يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور : " انصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . . وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى ، وهو يقول :

وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت ، وإن ترشد غزية أرشد !

ثم جاء الإسلام . . جاء المنهج الرباني للتربية . . جاء ليقول للذين آمنوا :

( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب ) . .

جاء ليربط القلوب بالله ؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله . جاء ليخرج العرب - ويخرج البشرية كلها - من حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية ، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء . .

وولد " الإنسان " من جديد في الجزيرة العربية . . ولد الإنسان الذي يتخلق بأخلاق الله . . وكان هذا هو المولد الجديد للعرب ؛ كما كان هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض . . ولم يكن قبل الإسلام في الجزيرة إلا الجاهلية المتعصبة العمياء : " انصر أخاك ظالما أو مظومًا " . كذلك لم يكن في الأرض كلها إلا هذه الجاهلية المتعصبة العمياء !

والمسافة الشاسعة بين درك الجاهلية ، وأفق الإسلام ؛ هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور : " انصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . وقول الله العظيم : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) .

وشتان شتان !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (2)

وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوركم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } .

قيل في سبب نزول هذه الآية : إن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يصدوهم فأنزل الله تعالى { لا تحلوا شعائر الله } {[873]} . والشعائر جمع شعيرة وهي في اللغة العلامة . والمراد بها هنا البدنة تهدى لبيت الله الحرام . وإشعارها بجز سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم من يراها أنها هدي فلا يمسها بأذى . وقيل : شعائر الله هي جميع مناسك الحج وهو قول ابن عباس . فقد نهى الله عن التهاون بحرمة شيء من هذه الشعائر أو أن يحال بينها وبين المتنسكين بها .

وقيل : شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه . أي دين الله كله{[874]} فقد نهى الله عن التهاون بشيء من محارم الله مما حواه دينه الواسع الكبير .

وقوله : { ولا الشهر الحرام } الشهر الحرام اسم جنس يدل على جميع الأشهر الحرم وهي أربعة : واحد فرد وثلاثة سرد{[875]} وفي صحيح البخاري عن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض . السنة اثنا عشر شهرا منها : أربعة حرم ، ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم . ورجب الذي بين جمادى وشعبان " .

والمراد بقوله : { ولا الشهر الحرام } : لا تستحلوا القتال في الأشهر الحرم ، لكن ذلك منسوخ . وعلى هذا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم كغيرها من أشهر السنة كاملة . وهو قول الجمهور . واحتجوا بقوله تعالى : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

قوله : { ولا هدي } الهدي ، جمع ومفرده هدية بسكون الدال . وهي ما يهدى من الأنعام ( الإبل والبقر والغنم ) إلى بيت الله الحرام تقربا إلى الله . والمراد سوق الهدي إلى الحرم وذبحها فيه وعدم ترك ذلك – أي الهدي – لما فيه من تعظيم شعائر الله ، وأن لا يتعرض أحد للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله .

قوله : { ولا قلائد } جمع قلادة ، وهي ما يقلد به الهدي من عروة أو لحاء شجر أو غير ذلك لتكون علامة على كونه هديا . والمقصود أن لا تتركوا تقليد الهدي في أعناقها لتتميز بذلك عما سواها من الأنعام ليعلم الناس أنها هدي ، أي مهداة إلى الكعبة فلا يمسها أحد بسوء ولا يمنعها من بلوغ محلها .

قوله : { ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } آموا البيت الحرام ، هم قاصدوه من الحجاج والعمار وغيرهم . والمعنى : لا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذين يبتغون الفضل من الله بالتجارة في موسم الحج . لا ينبغي لكم أن تمنعوهم من ذلك ، لأنهم إنما قصدوا البيت الحرام طلبا للرزق والمعاش وطلبا لرضوان الله والدار الآخرة وفي ظنهم ، وإن كانوا لا ينالون ذلك .

على أن هذا الحكم منسوخ . وقد نسخه قوله تعالى : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } وقوله : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } وقوله : { واقتلوهم حيث وجدتموهم } وقد حكى الطبري الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان ، وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس{[876]} .

قوله : { وإذا حللتم فاصطادوا } حللتم ، أي فرغتم من إحرامكم . أحل في اللغة دخل في أشهر الحل . أو خرج من ميثاق كان عليه{[877]} والمعنى : إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم من الصيد في حال الإحرام .

وثمة مسألة في هذا الصدد اختلف فيها علماء الأصول وهي : الأمر بعد الحظر ماذا يفيد ؟ ثمة قولان في ذلك :

القول الأول : الأمر الوارد بعد الحظر يفيد الوجوب . وهو قول الحنفية وبعض الشافعية ، وهو قول القاضي الباقلاني والمعتزلة ، واختاره الرازي . واحتجوا لذلك بأن الإلزام هو مقتضى صيغة الأمر " افعل " عند الإمكان إلا أن يقع مانع والمقتضي للوجوب " صيغة الأمر " قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا . ودليل ذلك قوله تعلى : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } فقتلهم هنا على الوجوب ، لأن المراد الجهاد ، واحتجوا أيضا بأمر الحائض والنفساء وبالصلاة والصوم وقد ورد بعد الحظر وهو للوجوب{[878]} .

القول الثاني : لأمر الوارد بعد الحظر يفيد الإباحة . وهو قول أكثر الشافعية . وقال به الآمدي ، واحتجوا لذلك من الكتاب الحكيم بقوله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } فقد كان الانتشار محظورا ضرورة الالتزام بتلبية الدعوة بالدخول للصلاة ثم أمرهم بعد ذلك بالانتشار . وكذلك قوله تعالى : { فإذا طمعتم فانتشروا } ونظير ذلك قوله تعالى هنا : { إذا حللتم فاصطادوا } ومقتضاه أن الأمر بالاصطياد بعد الحظر على الإباحة .

وثمة قول ثالث في المسألة وهو أن الحكم هنا يرد إلى ما كان عليه قبل النهي ، فإن كان واجبا رده واجبا ، وإن كان مستحبا فمستحب ، أو مباحا فمباح{[879]} .

قوله : { ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوركم عن المسجد الحرام أن تعتدوا }

لا يجرمنكم ، أي لا يحملنكم ، وهو يتعدى إلى مفعولين . وتقديره : لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا . ومنه أجرم واجترم أي كسب واكتسب . وجريمة أهله أو القوم أي كاسبهم . والجارم بمعنى الكاسب . ولا جرم أي لا بد أو حقا أو لا محالة . ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم ، فلذلك يجاب عنه باللام فيقال : لا جرم لآتينك{[880]} .

والشنآن ، معناه البغض . شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا ، إذا أبغضته . والمعنى : لا يحملنكم أو يكسبنكم بغض قوم بصدهم إياكم أن تعتدوا عليهم بصدهم . وذلك لما صد الكافرون المسلمين عن البيت عام الحديبية ثم مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة ، فقال المسلمون : نصدهم كما صدنا أصحابهم فنزلت هذه الآية . ومقتضاها أن لا تعتدوا على هؤلاء ولا تصدوهم لأن صدوكم .

وقوله : { أن تعتدوا } في محل نصب مفعول به ثان . والأول كاف المخاطب . والتقدير : لا يجرمنكم بغض قوم الاعتداء {[881]} أي لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء عليهم بصدهم عن البيت والانتقام منهم بإلحاق المكروه بهم .

قوله : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } البر هو فعل الخيرات . والتقوى هو ترك المنكرات . وقيل البر يتناول الواجب والمندوب . والتقوى رعاية الواجب . وقيل : البر والتقوى بمعنى واحد . وإنما كرر باختلاف اللفظ على سبيل التأكيد والمبالغة .

والإثم ، معناه الحكم الذي يترتب على الجرائم . والعدوان هو ظلم الناس . وقيل : الإثم والعدوان بمعنى الانتقام والتشفي .

والمعنى أن الله يأمر عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وعلى ترك المنكرات ، وينهاهم عن التناصر أو المعاونة على فعل المحارم والمآثم وكل صور الباطل من ظلم ومجاوزة وعدوان {[882]} وفي جملة ذلك كله أخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قيل : يا رسول الله هذا نصرته مظلوما ، فكيف أنصره إذا كان ظالما ؟ قال : " تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره " .

وأخرج أحمد أيضا عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسيلم قال : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .

وروى البزار عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدال على الخير كفاعله " وله شاهد في الصحيح وهو قوله : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل من اتبعه إلى يوم القيامة ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا "

وروى الطبراني عن ثمران بن صخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من مشى مع ظالم ليعينه ، وهو يعلم أنه ظالم ، فقد خرج من الإسلام " .

قوله : " واتقوا الله إن الله شديد العقاب " يأمر الله عباده أن يتقوه ، وذلك بفعل الطاعات ومجانبة المحظورات ، فالله عقابه أليم شديد لا يطيقه أحد . وفي ذلك من التهديد والوعيد ما فيه مزدجر .


[873]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 37.
[874]:- فسير ابن كثير ج 1 ص 4 والقاموس المحيط ص 534 وتفسير القرطبي ج 6 ص 37.
[875]:- السرد: المتابعة. انظر القاموس المحيط ص 367.
[876]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 5 وتفسير الرازي ج 11 ص 132.
[877]:- القاموس المحيط ص 1275.
[878]:- المحصول للرازي ج 1 ص 236 وفواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ج 1 ص 20.
[879]:- نفس المصدرين السابقين وتفسير ابن كثير ج 2 ص 5.
[880]:- القاموس المحيط ص 1405 والدر المصون لأحمد يوسف الحبلي ج 4 ص 188.
[881]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 45،46 والكشاف ج 1 ص 592.
[882]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 6 وتفسير الرازي ج 11 ص 134.