في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (39)

33

فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب ؟

كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن ، ولا تتقيد بمألوف الناس ؛ لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد :

( فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى ، مصدقا بكلمة من الله . وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) . .

لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر ، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ؛ ويملك الإجابة حين يشاء . وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر ، اسمه معروف قبل مولده ؛ " يحيى " ؛ وصفته معروفة كذلك : سيدا كريما ، وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات ، ويملك زمام نزعاته من الانفلات . ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله . ونبيا صالحا في موكب الصالحين .

لقد استجيبت الدعوة ، ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانونا . ثم يحسبون أن مشيئة الله - سبحانه - مقيدة بهذا القانون ! وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانونا لا يخرج عن أن يكون أمرا نسبيا - لا مطلقا ولا نهائيا - فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة ، وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه ، أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة . . فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله . وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله ، فلا يخبط في التيه بلا دليل ، وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل ، وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطارا من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل !

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (39)

قوله تعالى : { فنادته الملائكة } . قرأ حمزة والكسائي : " فناداه " بالياء ، والآخرون بالتاء لتأنيث لفظ الملائكة وللجمع ، مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيها أحسن كقوله تعالى : ( قالت الأعراب ) . وعن إبراهيم قال : كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يذكر الملائكة في القرآن ، قال أبو عبيدة : إنما نرى عبد الله اختار ذلك خلافاً للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى ، وروى الشعبي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياء وذكروا القرآن ، وأراد بالملائكة ها هنا جبريل عليه السلام وحده كقوله تعالى في سورة النحل ( ينزل الملائكة ) يعني جبريل بالروح والوحي ، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم : سمعت هذا الخبر من الناس ، وإنما سمع من واحد ، نظيره قوله تعالى ( الذين قال لهم الناس ) يعني نعيم بن مسعود ( أن الناس ) يعني أبا سفيان بن حرب . وقال المفضل بن سلمة : إذا كان القاتل رئيساً يجوز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع فجرى على ذلك .

قوله تعالى : { وهو قائم يصلي في المحراب } أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول ، فبينما هو قائم يصلي في المحراب ، يعني في المسجد عند المذبح يصلي والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض تلمع ففزع منه فناداه وهو جبريل عليه السلام ، يا زكريا :

قوله تعالى : { إن الله يبشرك } . قرأ ابن عامر وحمزة " إن الله " بكسر الألف على إضمار القول تقديره : فنادته الملائكة فقالت إن الله ، وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع النداء عليه ، كأنه قال : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك : قرأ حمزة : يبشرك ، وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله ( فبم تبشرون ) فإنهم اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا في الموضعين وفي سبحان ، والكهف ، وحم عسق ، ووافق ابن كثير وأبو عمرو في " حم عسق " والباقون بالتشديد ، فمن قرأ بالتشديد فهو من بشر يبشر تبشيراً وهو أعرب اللغات وأفصحها : دليل التشديد قوله تعالى ( فبشر عبادي ) ( وبشرناه بإسحاق ) ( قالوا بشرناك بالحق ) وغيرها من الآيات ، ومن خفف فهو من بشر يبشر وهي لغة تهامة ، وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه .

قوله تعالى : { بيحيى } هو الاسم لا يجر لمعرفته وللزائد في أوله ومثل يزيد ويعمر ، وجمعه يحيون مثل موسون ، وعيسون ، واختلفوا في أنه لم سمي يحيى ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن الله أحيا به عقر أمه .

قال قتادة :لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان ، وقيل : سمي يحيى لأنه استشهد والشهداء أحياء ، وقيل :معناه يموت ، وقيل : لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية .

قوله تعالى : { مصدقاً } نصب على الحال .

قوله تعالى : { بكلمة من الله } يعني عيسى عليه السلام ، سمي عيسى كلمة الله لأن الله تعالى قال له : كن من غير أب فكان ، فوقع عليه اسم الكلمة . وقيل سمي كلمة لأنه يهتدي به بكلام الله تعالى ، وقيل : هي بشارة الله تعالى لمريم بعيسى عليه السلام بكلامه على لسان جبريل عليه السلام ، وقيل : لأن الله تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبياً بلا أب فمساه كلمة لحصوله بذلك الوعد ، وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه ، وكان يحيى عليه السلام اكبر من عيسى بستة أشهر ، وكانا ابني خالة ، ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام ، وقال أبو عبيدة : ( بكلمة من الله ) أي بكتاب من الله وآياته ، تقول العرب : أنشدني كلمة فلان أي قصيدته .

قوله تعالى : { وسيداً } هو فعيل ، من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهي إلى قوله .

قال المفضل : أراد سيداً في الدين ، قال الضحاك : السيد الحسن الخلق ، قال سعيد بن جبير : السيد الذي يطيع ربه عز وجل ، وقال سعيد بن المسيب : السيد الفقية العالم .

وقال قتادة : سيد في العلم والعبادة والورع ، وقيل : الحليم الذي لا يغضبه شيء ، قال مجاهد : الكريم على الله تعالى ، وقيل : السيد التقي ، قاله الضحاك : قال سفيان الثوري : الذي لا يحسد . وقيل : الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير . وقيل : هو القانع بما قسم الله له . وقيل : هو السخي . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سيدكم يا بني سلمة ؟ قالوا : جد بن قيس على أنا نبخله قال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ لكن سيدكم عمرو بن الجموح " .

قوله تعالى : { وحصوراً ونبياً من الصالحين } . والحصور أصله من الحصر وهو الحبس ، والحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم وعطاء والحسن : الذي لا يأتي النساء ، ولا يقربهن ، وهو على هذا القول فعول بمعنى فاعل ؛ يعني انه يحصر نفسه عن الشهوات ، وقال سعيد بن المسيب : هو العنين الذي لاماء له ، فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء . قال سعيد بن المسيب : كان له مثل هدبة الثوب ، وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره وفيه قول آخر ، إن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه ، واختار قوم هذا القول لوجهين :أحدهما ، لأن الكلام خرج مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء . والثاني :أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (39)

ولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال { فنادته } أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته{[16575]}

{ الملائكة } يعني هذا النوع ، لا كلهم{[16576]} بل ناداه البعض ، وكان متهيئاً{[16577]} بما آتاه الله سبحانه وتعالى من الفضل لمناداة{[16578]} الكل ، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل { وهو قائم يصلي في المحراب } وهو موضع محاربة العابد للشيطان ، وهو أشرف الأماكن لذلك{[16579]} . قال الحرالي : فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه{[16580]} وأن الغالب{[16581]} على صلاته القيام لأن الصلاة قيام ، وسجود يقابله{[16582]} ، وركوع متوسط ، فذكرت صلاته بالقيام إشعاراً{[16583]} بأن حكم القيام{[16584]} غالب عليها{[16585]} - انتهى . ثم استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال : بأي شيء نادته الملائكة ؟ قوله : { أن الله يبشرك } قال الحرالي : فذكر الاسم الأعظم المحيط معناه بجميع معاني{[16586]} الأسماء ، ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من وراء الحكمة العادية{[16587]} ؛ وفي قوله : { بيحيى } مسمى بصيغة{[16588]} الدوام - مع أنه كما قيل : قتل - إشعار بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية{[16589]} فيه دائماً ، لا يطرقه{[16590]} طارق موت الظاهر حيث قتل شهيداً - انتهى . { مصدقاً بكلمة } أي نبي خلق بالكلمة لا بالمعالجة{[16591]} العادية ، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم{[16592]} ويصدقه هو{[16593]} ، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب .

قال الحرالي : فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى ، ويحيى مصدقه{[16594]} بما هو منه كمال كلمته{[16595]} حتى أنهما{[16596]} في سماء واحدة ، ففي قوله : { من الله } إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى . { وسيداً وحصوراً } أي فلا يتزين{[16597]} بزينة{[16598]} لأنه بالغ الحبس لنفسه و{[16599]}التضييق عليها{[16600]} في المنع من النكاح . قال في القاموس : والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك ، أو الممنوع منهن ، أو{[16601]} من لا يشتهيهن{[16602]} ولا يقربهن ، والمجبوب - والهَيوب{[16603]} المحجم{[16604]} عن الشيء{[16605]} . وقال الحرالي : وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملاً فيه - انتهى{[16606]} { ونبياً } ولما كان النبي لا يكون إلا صالحاً لم يعطف بل قال : { من الصالحين * } إعلاماً بمزية رتبة الصلاح واحترازاً من المتنبيين{[16607]} ،


[16575]:يد من ظ ومد، غير أن في مد "أنه" مكان "أن".
[16576]:في ظ: كلمهم.
[16577]:ن مد، وفي الأصل: منها، وفي ظ: منهيا.
[16578]:ن ظ ومد، وفي الأصل: لمفاداة.
[16579]:ن ظ، وفي الأصل: كذلك، وفي مد: لذا.
[16580]:من ظ ومد، وفي الأصل: فإن الغايب.
[16581]:ن ظ ومد، وفي الأصل: فإن الغايب.
[16582]:ي ظ: مقابلة.
[16583]:ي ظ: إشعار.
[16584]:ي الأصول: الغالب عليها، غير أن في ظ: عليه ـ مكان.
[16585]:ي الأصول: الغالب عليها، غير أن في ظ: عليه ـ مكان.
[16586]:يد من ظ ومد.
[16587]:ي ظ: العاذية.
[16588]:ي ظ: بصفة.
[16589]:ي ظ: الحيابيه، وفي مد: الحيامة ـ كذا.
[16590]:ي ظ ومد: لا تطرقه.
[16591]:ي ظ: بالمعالجة.
[16592]:ي ظ: أكثره.
[16593]:يد من ظ ومد، والواو الآتية بعده ساقطة من ظ.
[16594]:ن ظ ومد، وفي الأصل: مصدقة.
[16595]:ن ظ ، وفي الأصل ومد: كلمة.
[16596]:ن ظ ومد، وفي الأصل: أنها.
[16597]:ي ظ ومد: يزن.
[16598]:لعبارة المحجوزة زيدت من ظ ومد.
[16599]:ي ظ: في.
[16600]:قط من مد.
[16601]:ن ظ ومد والقاموس، وفي الأصل"و".
[16602]:ي ظ: يشهن.
[16603]:ن ظ والقاموس، وفي الأصل ومد: والهبوب.
[16604]:ي ظ: المحج.
[16605]:يد بعده في الأصل: يذن يرتبه، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[16606]:قط من ظ.
[16607]:من ظ ومد، وفي الأصل: التتبين.