ويستحضر صورة الهزيمة حية متحركة :
( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، والرسول يدعوكم في أخراكم ) . .
كي يعمق وقع المشهد في حسهم ؛ ويثير الخجل والحياء من الفعل ، ومقدماته التي نشأ عنها ، من الضعف والتنازع والعصيان . . والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في الفاظ قلائل . . فهم مصعدون في الجبل هربا ، في اضطراب ورعب ودهش ، لا يلتفت أحد منهم إلى أحد ! ولا يجيب أحد منهم داعي أحد ! والرسول [ ص ] يدعوهم ، ليطمئنهم على حياته بعد ما صاح صائح : إن محمدا قد قتل ، فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم . . إنه مشهد كامل في الفاظ قلائل . .
وكانت النهاية أن يجزيهم الله على الغم الذي تركوه في نفس الرسول [ ص ] بفرارهم ، غما يملأ نفوسهم على ما كان منهم ، وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه - وهو ثابت دونهم ، وهم عنه فارون - ذلك كي لا يحفلوا شيئا فاتهم ولا أذى أصابهم . فهذه التجربة التي مرت بهم ، وهذا الألم الذي أصاب نبيهم - وهو أشق عليهم من كل ما نزل بهم - وذلك الندم الذي ساور نفوسهم ، وذلك الغم الذي أصابهم . . كل ذلك سيصغر في نفوسهم كل ما يفوتهم من عرض ، وكل ما يصيبهم من مشقة :
( فأثابكم غما بغم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ) . .
والله المطلع على الخفايا ، يعلم حقيقة أعمالكم ، ودوافع حركاتكم :
ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوّره{[19449]} فقال : { إذ } أي{[19450]} صرفكم وعفا عنكم حين { تصعدون } أي تزيلون{[19451]} الصعود فتنحدرون{[19452]} نحو المدينة ، أو{[19453]} تذهبون في الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفاً من القتل{[19454]} { ولا تلوون } أي تعطفون { على أحد } أي من قريب ولا بعيد { والرسول } أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه{[19455]} إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية { يدعوكم في أخراكم } أي ساقتكم{[19456]} وجماعتكم الأخرى ، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفساً على اختلاف الروايات - وثوقاً بوعد الله ومراقبة له ، يقول كلما{[19457]} مرت{[19458]} عليه جماعة{[19459]} منهزمة{[19460]} : " إليّ عباد الله ! أنا رسول الله ! {[19461]}إليّ إليّ{[19462]} عباد الله " كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو عدماً ؛ وإنما قلت : إن{[19463]} معنى ذلك الانهزام ، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى ، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال ، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم{[19464]} الرسول في أخراهم ، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً .
ولما تسبب{[19465]} عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى : { فأثابكم } أي جعل لكم ربكم ثواباً { غماً } أي باعتقادكم قتل{[19466]} الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان اعتقاداً كاذباً مُلتئم به رعباً { بغم } أي كان حصل لكم من القتل{[19467]} والجراح والهزيمة ، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سبباً للسرور{[19468]} حين تبين{[19469]} أنه خبر كاذب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سالم{[19470]} حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم{[19471]} مصيبة ، فهو{[19472]} من الدواء بالداء ، ثم علله بقوله : { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } أي من النصر والغنيمة { ولا ما أصابكم } أي {[19473]}من القتل{[19474]} والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك بالسرور بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم .
ولما قص{[19475]} سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهراً وما قصدوه باطناً وما داواهم به قال - عاطفاً على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم - : { والله } أي المحيط علماً وقدرة { خبير بما تعملون * } أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها ، وبما{[19476]} يصلح من جزائه ودوائه ، فتارة يداوي الداء{[19477]} بالداء وتارة بالدواء ، لأنه الفاعل القادر المختار .
قوله : ( إذ تصعدون ولا تلوم على أحد ) ( تصعدون ) بضم التاء وكسر العين ، من الإصعاد ، ومعناه الذهاب في الأرض والإبعاد فيه . يقال : صعد في الجبل وأصعد في الأرض .
وقوله : ( ولا تلون على أحد ) أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب ، أو لا تعرجون ، فإن المعرج إلى الشيء يلوي إليه عنقه أو عنق دابته . فيكون المعنى أنكم توليتم صاعدين في الجبل مدبرين لا يقف أحد على أحد ولا ينتظره وذلك لفرط ما أصابكم من دهش وخوف{[613]} .
وقوله : ( والرسول يدعوكم في أخراكم ) أي آخركم . والمعنى أنه صلى الله عليه و سلم كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم ؛ لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه .
قال ابن كثير رحمه الله في تأويل قوله تعالى : ( والرسول يدعوكم في أخراكم ) أي وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء وإلى الرجعة والعودة والكرة . قال السدي : لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها . فجعل الرسول صلى الله عليه و سلم يدعو الناس : " إليّ عباد الله " {[614]} وقال ابن عباس وغيره : كان دعاء النبي صلى الله عليه و سلم : " أي عباد الله ارجعوا " .
قوله : ( فأنبئكم غما بغم ) أثابكم بمعنى جزاكم . وهو من الثواب ، وأصله كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا . بيد أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير . والغم في اللغة بمعنى التغطية والستر{[615]} والمراد به هنا الكرب .
أما الباء فتحتمل معنيين : المعنى الأول : أن تكون بمعنى المعارضة . كما يقال : هذا بهذا ، أي هذا عوض عن هذا ، وعلى هذا الوجه يكون المعنى أنكم لما أذقتم الرسول صلى الله عليه و سلم غما بسبب عصيانكم أمره ، فالله تعالى قد أذاقكم غما حصل لكم عقيب الانهزام والقتل . أي أن الله جزاكم من ذلك الغم بهذا الغم .
المعنى الثاني : أن تكون بمعنى على . أي جزاكم غما على غم أو جزاكم غمّاً بعد غم ، أو غمّا متصلا بغم ، فالغم الأول هو القتل والجراح ، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه و سلم إذا صاح به الشيطان . وقيل : الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة . والثاني ما أصابهم من القتل والهزيمة{[616]} .
قوله : ( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ) اللام في لكيلا متعلقة بقوله : ( فأثابكم غما بغم ) فيكون المعنى : أن هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا على ما فات من الغنيمة ولا ما أصابكم من الهزيمة لتتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال النوائب والمصائب .
قوله : ( والله خبير بما تعملون ) الله جل وعلا عالم بما يستكن في صدوركم من نوايا وقصود . وهو كذلك عالم بسائر أعمالكم من خير أو شر ، لا جرم أن هذه الحقيقة تفيض على النفس إحساسا غامرا بعظيم قدرة الله وتمام الشعور برقابته الدائمة التي تتجلى في سلطانه على القلوب .