الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{۞إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (153)

قوله : ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تُلْوُونَ عَلَى أَحَد ) الآية [ 153 ] .

العامل في إذ عفا ، كأنه قد عفا الله عنكم أيها المؤمنون ( إِذْ تُصْعِدُونَ ) أي : تلوون منهزمين في الوادي والرسول يدعوكم إليّ عباد الله ، فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية اصتعاد ، وفي الجبل صعود لأنها كالسلالم والدرج( {[11061]} ) .

وقرأ الحسن " إذ تَصعَدون " ( {[11062]} ) بفتح التاء والعين على تأويل إنهم صعدوا الجبل منهزمين ، وقد روي أن بعضهم صعد الجبل .

قال السدي : لما وقعت الهزيمة على المسلمين دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إلي عباد الله إلي عباد الله( {[11063]} ) .

وقال القتبي : ( إِذْ تُصْعِدُونَ ) تبعدون في الهزيمة يقال : اصتعد في الأرض إذا أمعن في الذهاب( {[11064]} ) .

( وَلاَ تَلْوُونَ( {[11065]} ) عَلَى أَحَدٍ ) أي : لا تعرجون ولا يلتفت بعضكم( {[11066]} ) إلى بعض هرباً من عدوكم ( فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ ) أي : جزاكم بفراركم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وفشلكم عن عدوكم ، ومخالفتكم غماً على غم ، الباء في موضع على( {[11067]} ) . ومعنى ( فَأَثَابَكُمْ ) جعل ما يقوم مقام الثواب لكم غماً بعد غم مثل : ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ )( {[11068]} ) . فالغم الأول : ما لحقهم على نبيهم صلى الله عليه وسلم حين سمعوا أنه قتل . والثاني : ما لحقهم من الجراح ، وقتل أصحابهم لأنه قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين .

قوله : ( لِّكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ) أي : من الغنيمة ( وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ ) من ألم الجراح والقتل . وقيل : الغم الأول : ما صاحبهم على قتل أصحابهم ، وجراحهم . والثاني : ما أصابهم حين سمعوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم قتل . وقيل : الغم الأول : أسفهم على ما فات من الغنيمة . والثاني : اطلاع أبي سفيان عليهم في الجبل ، فخافوا حين أتاهم ، فرموه ، فرجع عنهم وقد كانوا فزعوا منه أن يميل عليهم فيقتلهم فهو الغم الثاني( {[11069]} ) .

وكان من قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين( {[11070]} ) .


[11061]:- الصعود الذهاب في المكان العالي. والاصتعاد هو الأبعاد في الأرض سواء كان ذلك في صعود أو نزول. انظر: مجاز القرآن 1/103، والمفردات 288 واللسان 3/251.
[11062]:- في تصعدون أربع قراءات: (أ) تُصعِدون بضم التاء وكسر العين وهي قراءة الجمهور. (ب) تَصعَدون بفتح التاء والعين وهي قراءة تنسب إلى أبي رجاء والسلمي، ومجاهد وقتادة والحسن. (ج) تَصعّدون بفتح التاء وتشديد العين وهي قراءة تنسب إلى أبي حيوة. (د) يصعدون ويلوون بالياء وهي قراءة تنسب إلى ابن محيصن وابن كثير في رواية شبن بن عباد. انظر: مختصر الشواذ 23 والمحرر 3/265 والجامع للأحكام 4/239 والبحر 3/82.
[11063]:- انظر: جامع البيان 4/132 والدر المنثور 2/350.
[11064]:- انظر: تفسير الغريب 110.
[11065]:- لوى الحبل يلويه إذا فتله، ولوى رأسه: مال به. ولوى الحديث: كناية عن الكذب، ولا تلوون على أحد: إذا أمعنوا في الهزيمة. انظر: المفردات 476 واللسان لوى. 15/262.
[11066]:- (ج): بعضهم.
[11067]:- مذهب البصريين أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض. انظر: معاني الأخفش 1/424، والمغني لابن هشام 118 والبحر 3/83 والإملا 1/90.
[11068]:- آل عمران آية 21 والتوبة آية 34 والانشقاق آية 24 وما نظر: هذا التوجه في معاني الفراء 1/139.
[11069]:- انظر: جامع البيان 4/134 والدر المنثور 2/353.
[11070]:- تقدم ما يغني عن تكراره هنا.