ثم يعود إلى ترذيل محاولتهم تشكيك المسلمين في صحة الأوامر والتبليغات النبوية - وبخاصة ما يتعلق منها بتحويل القبلة - ويعدها سعيا في منع ذكر الله في مساجده ، وعملا على خرابها :
( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ؟ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين . لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم . ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ، إن الله واسع عليم ) . .
وأقرب ما يتوارد إلى الخاطر أن هاتين الآيتين تتعلقان بمسألة تحويل القبلة ؛ وسعي اليهود لصد المسلمين عن التوجه إلى الكعبة . . أول بيت وضع للناس وأول قبلة . . وهناك روايات متعددة عن أسباب نزولهما غير هذا الوجه .
وعلى أية حال فإن إطلاق النص يوحي بأنه حكم عام في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، والسعي في خرابها . كذلك الحكم الذي يرتبه على هذه الفعلة ، ويقرر أنه هو وحده الذي يليق أن يكون جزاء لفاعليها . وهو قوله :
( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) . .
أي أنهم يستحقون الدفع والمطاردة والحرمان من الأمن ، إلا أن يلجأوا إلى بيوت الله مستجيرين محتمين بحرمتها مستأمنين وذلك كالذي ]حدث في عام الفتح بعد ذلك إذ نادى منادي رسول الله [ ص ] يوم الفتح : من دخل المسجد الحرام فهو آمن . . فلجأ إليها المستأمنون من جبابرة قريش ، بعد أن كانوا هم الذي يصدون رسول الله [ ص ] ومن معه ويمنعونهم زيارة المسجد الحرام ! [ . ويزيد على هذا الحكم ما يتوعدهم به من خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة :
( لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) . .
وهناك تفسير آخر لقوله : ( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) . . أي أنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا في خوف من الله وخشوع لجلالته في بيوته . فهذا هو الأدب اللائق ببيوت الله ، المناسب لمهابته وجلاله العظيم . . وهو وجه من التأويل جائز في هذا المقام .
ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه{[4516]} من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلماً آخر وكان من منع مسجداً واحداً لكونه مسجداً مانعاً لجميع المساجد قال{[4517]} : { ومن أظلم } أي منهم ، وإنما أبدل الضمير بقوله : { ممن منع{[4518]} مساجد الله } أي " {[4519]}الجامع لصفات الكمال{[4520]} التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها{[4521]} عليهم ، ثم أبدل من ذلك {[4522]}تفخيماً له تذكرة مرة بعد أخرى{[4523]} " قوله : { أن يذكر فيها اسمه } وعطف بقوله : { وسعى في خرابها } أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم . والمنع الكف عما يترامى {[4524]}إليه . والمسجد مفعل لموضع السجود وهو أخفض{[4525]} محط القائم . والسعي الإسراع في الأمر حساً أو معنى . والخراب ذهاب العمارة ، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي .
ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه أولياءه وفي جميع جنسه{[4526]} والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن فقال{[4527]} : { أولئك } أي البعداء البغضاء { ما كان لهم } {[4528]}أي ما صح وما انبغى{[4529]} { أن يدخلوها } أي المساجد الموصوفة { إلا خائفين } {[4530]}وما كان أمنهم فيها إلا بسبب {[4531]}كثرة المساعد على{[4532]} ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك ، ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال : { لهم في الدنيا خزي } أي عظيم بذلك وبغيره ، ثم زاده بأن عطف عليه قوله : { ولهم في الآخرة } {[4533]}التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال { عذاب عظيم } فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي أشار إليه بالتنوين .
قال الحرالي : وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجهاً من وجوه العذاب ، فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن ، وذلك أسوأ الخسار ؛ قال : ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع المساجد{[4534]} لذلك{[4535]} كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجُرم{[4536]} في مسجد يكون فعله سبباً لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله{[4537]} في الدنيا ، حتى ينتظم{[4538]} بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها ، وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرّت إليه أعمال يهود فيه ؛ قال : كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها وأحوجه{[4539]} لدخولها تحت رقبة{[4540]} وذمة من أعدائه ، كما قد شهدت مشاهدة{[4541]} بصائر أهل التبصرة{[4542]} وخصوصاً في الأرض المقدسة المتناوب{[4543]} فيها دول الغلب{[4544]} بين هذه الأمة وأهل الكتاب{ الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين{[4545]} }[ الروم : 1-3 ] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك {[4546]}حتى{[4547]} تكون{[4548]} العاقبة للمتقين حين{[4549]} يفرح المؤمنون{[4550]} بنصر الله ، قال : وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها{[4551]} وحجرها{[4552]} على القاصدين{[4553]} للتحنث{[4554]} فيها والخلوة بذكر الله ، وليس رفع المساجد منعها بل رفعها{[4555]} أن لا يذكر فيها غير اسم الله ، قال تعالى :{ في بيوت أذن الله أن ترفع{[4556]} }[ النور : 36 ] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة : من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعراً فليخرج إلى هذه الرحبة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفكم وبيعكم وشراءكم ، وابنوا على أبوابها المطاهر " ففي حل ذلك إنباء{[4557]} بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله كان ساعياً في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى{[4558]} .