بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي - السمرقندي  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (114)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله } ، قال في رواية الكلبي معناه ومن أكفر . وقال بعضهم : هذا التفسير غير سديد ، لأن الكفر كله سواء . ولكن معنى قول الكلبي ومن أكفر يعني من أشد في كفره ، لأن الكفار وإن كانوا كلهم في الكفر سواء ، فربما يكون بعضهم في كفره أشد شراً من غيره . قال الكلبي : نزلت هذه الآية في شأن ططوس بن أسفيانوس الرومي ، حيث خرب بيت المقدس وألقى فيه الجيفة ، فكان خراباً إلى زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه وسعى فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا } ، فلم يدخلها بعد عمارتها رومي إلا خائفاً ومستخفياً لو علم أنه رومي قتل . قال قتادة : هم النصارى . وقال مجاهد : هم اليهود والنصارى ويقال : من أراد أن يكون ملكاً عليهم ، لا يمكنه ذلك ما لم يكن دخل مسجد بيت المقدس ، فيجيء ويدخله مستخفياً .

ثم قال عز وجل : { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْيٌ } ، أي بفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينة وعمورية وأرمينية . وقال بعضهم : لنزول هذه الآية سبب آخر ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج عام الحديبية إلى مكة ، ومنعه أهل مكة فرجع ، ولم يدخلها في تلك السنة ، فنزلت هذه الآية : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه وسعى فِى خَرَابِهَا } ، أي سعى ومنع المسلمين عن الصلاة ، وذكر الله فيها لأن عمارة المسجد بالصلاة ، وذكر الله فيها وخرابها في ترك ذلك . { أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } بعد فتح مكة ، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا خائفين ، { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْيٌ } وهو فتح مكة ، { وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } لمن مات على كفره وقتل . وروى الزجاج عن بعض أهل العلم قال : نزلت في شأن جميع الكفار ، لأن الكفار كانوا يقاتلون المسلمين ويمنعونهم من الصلاة ، فقد منعوا المسلمين من الصلاة في جميع المساجد ، لأن الأرض كلها جعلت مسجداً وطهوراً . ومعناه ومن أظلم ممن خالف ملة الإسلام ؟ قال : ومعنى قوله { أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } ، يعني دار الإسلام ولهم في الدنيا خزي وظهور الإسلام على سائر الأديان لقوله تعالى : { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون } [ التوبة : 33 وغيرها ] .